الرازيَّ المُذكر، سمعتُ أبا عمرٍو البيكنديَّ يقولُ: لما (١) فرغَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ منَ التَعَلُّمِ جلسَ للناسِ فخطرَ بقلبِهِ ذاتَ يومٍ خاطرٌ منْ قبلِ الحقِّ، فحملَ كُتُبَهُ إلى شطِّ الفراتِ فجلسَ يَبكي ساعةً طويلةً، ثم قال: نعْم الدليلُ كنتِ لي على ربي، ولكنْ لما ظفرتُ بالمدلولِ كان (٢) الاشتغالُ بالدليلِ محالٌ فغسلَ كُتُبَهُ بالفراتِ)) فسألتُ شيخَنا عن فِعلِهِ وفعلِ غيرِهِ كداودٍ الطائيِّ من إعدامِ كتبِهم ما سببُهُ؟ وما الذي سَوَّغهُ؟ فقال: لم يكونوا / ٢٦٩ب / يرونَ أنَّه يجوزُ لأحدٍ روايتُها لا بالإجازةِ ولا بالوجادةِ، بل يرونَ أنَّه إذا رواها أحدٌ بالوجادَةِ يضعَّفُ، فرأوا أنّ مَفسدةَ إتلافِها أخفُّ منْ مفسدةِ تضعيفِ أحدٍ بسببهم، والله أعلمُ بمرادِهم، ثم رأيتُ في ترجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحواري من " طبقات الأولياء "(٣) لابن الملقن ما نصه: ((وقد رُويَ نحو هذا عن سفيانَ الثوري الإمامِ: أنَّه أوصى بدفنِ كتبِهِ، وكانَ ندمَ على أشياءَ كتبها عنِ الضعفاءِ، وقالَ: حَملني عليها شهوةُ الحديثِ. فكأنَّه لما عَسُرَ عليه التمييزُ بينَ الصحيحِ وغيرِهِ أوصى أن (٤) تُدفنَ كلَّها)). انتهى.
ومن ذلك ما قال الحافظُ أبو القاسمِ بنُ عساكر في الكنى من " تاريخ دمشقَ "(٥): ((أخبرتنا أمُّ البهاءِ بنتُ البغداديِّ، أخبرنا أبو بكرٍ الباطِرقاني، أخبرنا أبو عبد الله بنُ منده، أخبرنا عمرُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ، حدّثنا أبو عبيدةَ معمرُ بنُ المثنى، قال: كانَ أبو عمرو بنُ العلاءِ أعلم الناسِ بالقرآنِ والعربيةِ، والعربِ وأيامِها، والشعر وأيامِ الناسِ، وكانَ ينْزلُ خلفَ دارِ جعفر بنِ سُليمانَ الهاشميِّ، وكانت دفاترُهُ ملءَ بيتٍ إلى السقفِ، ثم تنسكَ، وأحرقها)). انتهى.
(١) لم ترد في (ب). (٢) زيادة من الحلية. (٣) طبقات الأولياء: ٣٢. (٤) لم ترد في (ف). (٥) تاريخ دمشق ٦٧/ ١٠٨.