وَصَّى بِصَدَقَةٍ لِلْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الرَّاوِي لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لقُبلت رِوَايَتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، والمحدِّث إِذَا حدَّث بِحَدِيثٍ فِي حُكُومَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ قُبلت رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَضَمَّنُ حُكْمًا عَامًّا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الخير، كَالشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ فَإِنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَاوَلُ الرَّاوِيَ وَغَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ تضمَّن رِوَايَةً بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِهَذَا تَضَمَّنَ تَحْرِيمَ الْمِيرَاثِ عَلَى ابْنَةِ أَبِي بكر عائشة - رضي الله عنه - ا، وَتَضَمَّنَ تَحْرِيمَ شِرَائِهِ لِهَذَا الْمِيرَاثِ مِنَ الْوَرَثَةِ وَاتِّهَابِهِ لِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَتَضَمَّنَ وُجُوبَ صَرْفِ هَذَا الْمَالِ فِي مَصَارِفِ الصَّدَقَةِ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ((على مَا رَوَوْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {ُيوصيكمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلَّذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} (١) وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ خَاصًّا بالأُمَّة دُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَيُقَالُ: أَوَّلًا: لَيْسَ فِي عُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُورَثُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {ُيوصيكمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلَّذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ
أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كاَنَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُس} (٢) وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لمَ ْيَكُن لَهُنَّ وَلَد فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْن} -إِلَى قَوْلِهِ- {منْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غيرَ مُضَارٍّ} (٣) .
وَهَذَا الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - مخاطب بها.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورث ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، فَلَا يُعارض ذَلِكَ بِمَا يُظن أَنَّهُ العموم، وَإِنْ كَانَ عُمُومًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ دَلِيلًا لَمَا كَانَ إِلَّا ظَنِّيًّا، فلا يعارض القطعي؛ إذ الظنى لا
(١) الآية ١١ من سورة النساء.(٢) الآية ١١ من سورة النساء.(٣) الآية ١٢ من سورة النساء.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.