وَهَذَا يَقْتَضِي الْقَدْحَ: إِمَّا فِيهِ، وَإِمَّا فِيهِمْ. بَلْ كُذِب عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَكْثَرَ مِمَّا كُذِب عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَالْآفَةُ وَقَعَتَ مِنَ الكذَّابين عَلَيْهِ لَا مِنْهُ. وَلِهَذَا نُسب إِلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَكَاذِيبِ، مِثْلَ كِتَابِ ((الْبِطَاقَةِ)) وَ ((الجَفْر)) و ((الهَفْت)) والكلام في النجوم.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا مِنْ بَعْدِ جَعْفَرٍ فَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ:
((ثِقَةٌ صَدُوقٌ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ)) . قُلْتُ: مُوسَى ولد بالمدينة سنة بِضْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَأَقْدَمَهُ الْمَهْدِيُّ إِلَى بَغْدَادَ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ بِهَا
إِلَى أَيَّامِ الرَّشِيدِ، فَقَدِمَ هَارُونُ مُنْصَرِفًا مِنْ عُمْرةٍ، فَحَمَلَ مُوسَى مَعَهُ إِلَى بَغْدَادَ، وَحَبَسَهُ بِهَا إلى أن تُوفي في محبسه.
وَأَمَّا مِنْ بَعْدِ مُوسَى فَلَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُمْ مِنِ الْعِلْمِ مَا يُذْكَرُ بِهِ أَخْبَارُهُمْ فِي كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم، ولا هم في التفسير وغيره أقوال مَعْرُوفَةٌ، وَلَكِنْ لَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَحَاسِنِ مَا هم له أهل، - رضي الله عنه - م أَجْمَعِينَ، وَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ مَشْهُورٌ بِالْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ.
وأما الحكاية المذكورة عن شقسق الْبَلْخِيِّ فَكَذِبٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ تُخَالِفُ الْمَعْرُوفَ من حال موسى بن جعفر.
أما قوله: ((تاب على يديه بِشْرٌ الْحَافِي)) فَمِنْ أَكَاذِيبِ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ وَلَا حَالَ بِشْرٍ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ لَمَّا قَدِمَ بِهِ الرَّشِيدُ إِلَى الْعِرَاقِ حَبَسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْتَازُ عَلَى دَارِ بشر وأمثاله من العامة.
قَالَ الرَّافِضِيُّ: ((وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ الرِّضَا أزهد أهل زمانه وكان أَعْلَمَهُمْ وَأَخَذَ عَنْهُ فُقَهَاءُ الْجُمْهُورِ كَثِيرًا، وَوَلَّاهُ الْمَأْمُونُ لِعِلْمِهِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْفَضْلِ. وَوَعَظَ يَوْمًا أَخَاهُ زَيْدًا، فَقَالَ: يَا زَيْدُ مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَفَكْتَ الدِّمَاءَ، وَأَخَذْتَ الْأَمْوَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا وَأَخَفْتَ السُّبُلَ، وَغَرَّكَ حَمْقَى أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ عَلِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَمَّيْتَ فَاطِمَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ فَطَمَهَا وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ النَّارِ، فَلَا يَكُونُ الْإِحْصَانُ سَبَبًا لتحريم
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.