كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ لَوَدَيْتُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - لم يسنّه لنا.
وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالْفُقَهَاءِ فِي الْأَرْبَعِينَ فَمَا دُونَهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ عَلِيٍّ عَلَى مَا يُخَالِفُ الإجماع.
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: ((وَأَرْسَلَ إِلَى حَامِلٍ يَسْتَدْعِيهَا فَأَسْقَطَتْ خَوْفًا. فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: نَرَاكَ مؤدِّبا وَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ. ثُمَّ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ)) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ في الحوادث، يشاور عثمان وَعَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بن ثابت وغيرهم، حتى يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَهَذَا كَانَ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَسَدِّ النَّاسِ رَأْيًا، وَكَانَ يَرْجِعُ تَارَةً إِلَى رَأْيِ هذا وتارة إلى رأي هذا. وقد أُوتى بِامْرَأَةٍ قَدْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى رَجْمِهَا، وعثمان ساكت. فقال: مالك لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: أَرَاهَا تستهلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا محرَّم، فَرَجَعَ فاسقط الحدَّ عنها لما ذكره له عثمان. ومعنى كلامه أنها تجهر وَتَبُوحُ بِهِ، كَمَا يَجْهَرُ الْإِنْسَانُ وَيَبُوحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَرَاهُ قَبِيحًا، مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ والتزوج والتسرّى.
قَالَ الرَّافِضِيُّ: ((وَتَنَازَعَتِ امْرَأَتَانِ فِي طِفْلٍ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْحُكْمَ، وَفَزِعَ فِيهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، فَاسْتَدْعَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرْأَتَيْنِ وَوَعَظَهُمَا فَلَمْ تَرْجِعَا. فَقَالَ: ائْتُونِي بِمِنْشَارٍ، فَقَالَتِ الْمَرْأَتَانِ مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: أقُدُّه بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ فَتَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ نِصْفًا. فَرَضِيَتْ وَاحِدَةٌ. وَقَالَتِ الْأُخْرَى: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ سَمَحْتُ لَهَا بِهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ هُوَ ابْنُكِ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَ ابْنُهَا لَرَقَّتْ عَلَيْهِ. فَاعْتَرَفَتِ الْأُخْرَى أَنَّ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبَتِهَا، فَفَرِحَ عمر، ودعا لأمير المؤمنين)) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.