مَعْنُ بن عبد الرحمن كتابًا، وحلف بالله أنه خَطُّ أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما رأيت أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا رأيت بعده أشدَّ خوفًا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يبغض المتعمِّقين، حتى إنه لمَّا واصل بهم ورأى الهلال قال:«لو تأخر الهلال لواصلتُ وِصالًا يدعُ المتعمّقون تعمقهم»؛ كالمنكِّل بهم (١).
وكان الصحابة أقل الأمة تكلفًا، اقتداءً بنبيهم - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}[ص: ٨٦].
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:«من كان منكم مُستنًّا؛ فليستنّ بمن قد مات؛ فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولإقامة دينه، فاعْرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم؛ فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم»(٢).
(١) أخرجه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣) عن أبي هريرة. (٢) رواه ابن بطة ـ كما في منهاج السنة (٢/ ٣٩) ـ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٢٦) والهروي في ذم الكلام (٧٤٦) من طريق قتادة عنه، وقتادة لم يدرك ابنَ مسعود. وروى أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥، ٣٠٦) نحوَه عن ابن عمر. وروي عن الحسن البصري بعضُه أو قريب منه.