والتزكية جَعْلُ الشيء زكيًّا: إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال عدَّلتُه وفسَّقتُه إذا جعلتَه كذلك في الخارج أو في الاعتقاد والخبر.
وعلى هذا فقوله تعالى:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ}[النجم: ٣٢] هو على غير معنى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}[الشمس: ٩]؛ أي لا تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون، ولهذا قال عقيب ذلك:{هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم: ٣٢].
وكان اسم زينب بَرّة، فقال:«تُزكِّي نفسها»؛ فسماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب (١)، وقال:«الله أعلم [١٥ ب] بأهل البر منكم»(٢).
وكذلك قوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}؛ أي يعتقدون زكاءها ويخبرون به، كما يزكِّي المزكِّي الشاهدَ، فيقول عن نفسه ما يقول المزكّي فيه، ثم قال تعالى:{بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}[النساء: ٤٩]؛ أي هو الذي يجعله زاكيًا ويخبر بزكاته. وهذا بخلاف قوله:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}؛ فإنه من باب قوله:{هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}[النازعات: ١٨]؛ أي تعمل بطاعة الله، فتصير زاكيًا، ومثله قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}[الأعلى: ١٤].
وقد اختُلِف في الضمير المرفوع في قوله:{زَكَّاهَا}(٣):
فقيل: هو لله، أي أفلحت نفسٌ زكَّاها الله، وخابت نفسٌ دسّاها.
(١) أخرجه البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (٢١٤١) عن أبي هريرة. (٢) أخرجه مسلم (٢١٤٢) عن زينب بنت أبي سلمة. (٣) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٨٨) والقرطبي (٢٠/ ٧٦، ٧٧).