وقال عمرُ إذْ دخلَ الشامَ، ورأَى معاويةَ: هذا كِسْرى العربِ، وكان قد تَلَقَّاه معاويةُ في موكبٍ عظيمٍ، فلمَّا دَنا منه، قال له: أنتَ صاحبُ المَوكبِ العظيمِ؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، قال: مع ما يَبْلُغُني عنك (١) مِن وُقُوفِ ذَوِي الحاجاتِ ببابِك! قال: مع ما يَبْلُغُك مِن ذلك! قال (٢): ولِمَ تفعلُ هذا؟ قال: نحنُ بأرضٍ جَواسيسُ العَدُوِّ بها كثيرةٌ، فيجبُ (٣) أن نُظِهرَ مِن عِزِّ السُّلطانِ ما نُرهِبُهم به، فإن أمَرتَني فَعَلتُ، وإن نَهَيتَني انتَهَيتُ، فقال عمرُ يا معاويةُ: ما نسألُكَ (٤) عن شيءٍ إلا تَرَكتَني في مثلِ رَوَاجِبِ الضِّرْسِ (٥)، لئن كان ما قلتَ حَقًّا إنه لرأىُ أَرِيبٍ (٦)، وإن كان باطِلًا إنَّها لخَدعةُ أديبٍ (٧)، قال: فَمُرْني يا أميرَ المؤمنين، قال: لا آمُرُك ولا أَنْهاك، فقال عمروٌ: يا أميرَ المؤمنين، ما أحسنَ ما (٨) صَدَرَ الفَتَى عما أورَدتَه فيه، قال: لحُسْنَ مَصادرِه ومَوَارِدِه جَشَّمْناه ما جَشَّمْناه (٩).
(١) سقط من: ي ١، م. (٢) في ر، غ: "فقال". (٣) في ي، غ: "فنحب". (٤) في ط، ر، م: "أسألك"، وفي حاشية ط كالمثبت هنا. (٥) الرواجب: هي ما بين عقد الأصابع من داخل، وهي السُّلامى، وقال قاسم بن ثابت: إنما الرواجب في الأصابع، واستعارها في الأضراس، الدلائل لقاسم بن ثابت ٢/ ٤٣٦، والنهاية ٢/ ١٩٧. (٦) سقط من: ي، وفي ي ١: "أديب". (٧) في ر: "أريب". (٨) سقط من: ط، وفي حاشيتها: "ما صدر: كذا في ثلاث نسخ". (٩) تاريخ دمشق ٥٩/ ١١٣، ١١٤.