للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وُزَراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيِّئ] (١).

وقوله: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}.

قال السدي: (الصغار: الذلة). وقال النسفي: ({صَغَارٌ} ذل وهوان {عِنْدَ اللَّهِ} في القيامة {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار {بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} في الدنيا).

وقال ابن كثير: (هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيدٌ، لمن تكبر عن اتباع رُسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله {صَغَارٌ} وهو الذلة الدائمة، كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذُلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: ٦٠]، أي: صاغرين حقيرين. وقوله تعالى: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}، لما كان المكر غالبًا إنما يكون خَفِيًّا، وهو التَلَطُفُ في التحيُّل والخديعة، قُوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وِفاقًا، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: ٤٩]، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: ٩]، أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر).

قال: (وجاء في الصحيحين، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يُنْصبُ لكل غادر لواءٌ عند اسْتِهِ يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (٢). والحكمةُ في هذا أنه لما كان الغَدْرُ خفيًا لا يَطَّلِعُ عليه الناسُ، فيوم القيامة يصير عَلَمًا منشورًا على صاحبه بما فعَل).

قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بوصف ألوان ذلك الصغار الذي سيصيب المجرمين والمتكبرين يوم القيامة.

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى


(١) حديث موقوف. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٧٩)، والطبراني في "الكبير" (٨٥٨٣)، وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٧٧ - ١٧٨): (ورجاله موثوقون).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٦)، وابن ماجه (٢٨٧٢)، وأخرجه ابن حبان (٧٣٤١)، والبيهقي (٩/ ١٦٠) من حديث ابن مسعود.

<<  <  ج: ص:  >  >>