للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أُكْرِمْكَ، وَأسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أَيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجِكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ، والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول؟ بلى، ياربِّ! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنك مُلَاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مِثْلَ ذلك، فيقول: يا رَبِّ! آمنتُ بك وَبِكِتَابكَ وَبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن (١). قال: ثم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليك، ويَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِه: انْطِقي، فَتَنْطِقُ فَخِذُه وَلَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِرَ من نَفْسِه (٢). وذلك المنافِقُ، وذلك الذي يَسخَطُ اللهُ عليه] (٣).

وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}.

أي: حجب الله الفهم والوعي عن قلوبهم بغطاء الكفر والضياع، وأصم آذانهم عن السماع النافع.

قال قتادة: (يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدوي ما يُقال لها).

وقال السدي: (أمّا {أَكِنَّةً}، فالغطاء أكن قلوبهم، لا يفقهون الحق، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}، قال: صمم). وقال مجاهد: (قول الله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}، قال: قريش).

وفي التنزيل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: ١٧١].


(١) هاهنا إذن: معناه قف هنا حتى يشهد عليك جوارحك إذ قد صرت منكرًا.
(٢) من الإعذار، والمعنى ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه، بحيث لا يبقى له عذر يتمسك به.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٦٨)، كتاب الزهد، وأخرجه ابن حبان (٤٦٤٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>