أوَّلاً: أنَّ الله تعالى وصفَ كتابَه في مواضِعَ كثيرةٍ بأنَّه عربيٌّ، فقالَ تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقالَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزُّمَر: ٢٨]، وقالَ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فُصِّلَت: ٣]، وذلك يدُلُّ على نُزولِه بلسانِ العربِ، كما جاءَ النَّصُّ عليه في مثلِ قولِه تعالى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقولِه ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢]، كما يدُلُّ على نُزولِه على معهودِ العربِ، ومجاري أحوالِهم وعاداتِهم وعلومِهم، وهو ما أشارَ إليه الشّاطبيُّ (ت: ٧٩٠) في حديثِه عن أُمِّيَّةِ الشَّريعةِ (١)، مُستدلّاً له بثلاثةِ أدلَّةٍ، وهي:
١ - نصُّ الوَحيِ، وذلك في قولِه تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وقولِه ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقولِه ﷺ:«إنّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ؛ لا نكتُبُ ولا نحسبُ»(٢) الحديث، وفيه تفسيرُ معنى الأُمِّيَّةَ بعدمِ العلمِ بالحسابِ والكتابِ.
٢ - مقتضى العقلِ، فلو لم يكُن نزولُ القرآنِ على ما يعهدون لما كانَ عندَهم مُعجِزاً، ولكانوا يخرجون عن مُقتضى التَّعجيزِ بقولِهم: هذا على غيرِ ما عهِدنا، إذْ ليس لنا عَهدٌ بمِثلِ هذا الكلامِ؛ مِنْ جِهةِ أنَّه ليس بمَفهومٍ ولا مَعروفٍ في أحوالِنا.
٣ - واقعُ الحالِ، وذلك «أنَّ العربَ كانَ لها اعتِناءٌ بعلومٍ ذكَرَها النَّاسُ، وكانَ لعُقلائِهم اعتناءٌ بمكارِمِ الأخلاقِ، واتِّصافٌ بمحاسِنِ