رابعها: أنهما لم يذكرا التعزير بالنفي، وذكره في "الروضة" في حد الزنا، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين، وهو تعزير (١)، وفي قطع الطَّرِيقِ، فقال في "المعين": الأصح: أن الإمام يعزره باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي، وحكى في "الكفاية" عن الماوردي وغيره جواز التعزير بالنفي وفي "اختلاف الحديث" للشافعي: أن من اشترط خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغه نهيه عنه .. عاصٍ، وفي المعاصي حدود وآداب، فكان من أدب العاصين: أن يعطل عليهم شروطهم ليتنكلوا عن مثله ويتنكل بها غيرهم، وكان هذا من أيسر الأدب (٢).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا النوع الذي ذكره الشَّافعي لم أر من تعرض له في التعزير، إلَّا أن يدخل ذلك تحت التوبيخ؛ لأن إبطال شرطه من جملة التوبيخ.
٥١٨٤ - قول "المنهاج"[ص ٥١٤]: (وقيل: إن تعلقت بآدمي .. لم يكف توبيخ) الذي في "الروضة": إذا طلبه الآدمي .. فهل يجب؟ وجهان:
أحدهما: يجب، وهو مقتضى كلام صاحب "المهذب".
والثاني: لا، وهو ما أطلقه أَبو حامد وغيره، ومقتضى كلام البغوي ترجيحه، وقال الإمام: قدر التعزير وما به التعزير إلى رأي الإمام، ولا يكاد يظهر جنايته عنده .. إلَّا وبّخه وأغلظ عليه، فيؤول الخلاف إلى أنَّه هل يجوز الاقتصار على التوبيخ؟ (٣)
٥١٨٥ - قول "التنبيه"[ص ٢٤٨]: (غير أنَّه لا يبلغ به أدنى الحدود) أي: في حقه، فإن كان عبدآ .. نقص عن عشرين، وإن كان حرًا .. نقص عن أربعين كما صرح به "المنهاج"(٤)، وهو معنى قول "الحاوي"[ص ٥٩٦، ٥٩٧]: (ناقصًا عن أدنى حده) وحمل الإصطخري ذلك في "تصنيفه" في أدب القضاء على الضرب بالدرة، قال: فإن ضرب بالسوط .. فأحب ألَّا يزاد على العشرة، وفي "الصحيحين": عن أبي بردة بنُ نيار قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله"(٥)، واقتصر التِّرمِذي على تحسينه (٦)، وقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال أَبو محمد الأصيلي: اضطرب
(١) الروضة (١٠/ ٩٠). (٢) اختلاف الحديث (ص ٥٢١). (٣) الروضة (١٠/ ١٧٦)، وانظر "المهذب" (٢/ ٢٨٨)، و"نهاية المطلب" (١٧/ ٣٤٩)، و"التهذيب" (٧/ ٤٢٨، ٤٢٩). (٤) المنهاج (ص ٥١٤). (٥) البخاري (٦٤٥٨)، مسلم (١٧٠٨). (٦) سنن التِّرمِذي، باب ما جاء في التعزير (١٤٦٣).