(ثُمَّ قَالَ بَعْدَ إِيرَادِ شَوَاهِدَ أُخْرَى مَا نَصُّهُ) : فَإِذَا كَانَتْ خَصْلَةُ أَهْلِ الدِّينِ وَالدِّيَانَةِ مَا عَرَفْتَ فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ؟ بَلِ الْحَقُّ أَنِ التَّحْرِيفَ الْقَصْدِيَّ بِالتَّبْدِيلِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مِنْ خِصَالِهِمْ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ، فَبَعْضُ الْأَخْبَارِ الَّتِي نَقَلَهَا الْعُلَمَاءُ الْأَسْلَافُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، مِثْلُ الْإِمَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَغَيْرِهِ إِذَا لَمْ تَجِدْهَا مُوَافَقَةً فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ لِلتَّرَاجِمِ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ فَسَبَبُهُ غَالِبًا هَذَا التَّغْيِيرُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ نَقَلُوا عَنِ التَّرْجَمَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ رَائِجَةً فِي عَهْدِهِمْ، وَبَعْدَ زَمَانِهِمْ وَقَعَ الْإِصْلَاحُ فِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
يَكُونَ ذَاكَ السَّبَبُ اخْتِلَافُ التَّرَاجِمِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّنَا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ إِلَى الْآنِ فِي تَرَاجِمِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ، أَلَا تَرَى إِلَى مِيزَانِ الْحَقِّ إِلَخْ.
(الْأَمْرُ الثَّامِنُ)
إِنَّ بُولُسَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِ التَّثْلِيثِ فِي رُتْبَةِ الْحَوَارِيِّينَ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَنَا، وَلَا نَعُدُّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، بَلْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْكَذَّابِينَ وَمُعَلِّمِي الزُّورِ وَالرُّسُلِ الْخَدَّاعِينَ الَّذِينَ ظَهَرُوا بِالْكَثْرَةِ بَعْدَ عُرُوجِ الْمَسِيحِ كَمَا عَرَفْتَ فِي الْأَمْرِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الَّذِي خَرَّبَ الدِّينَ الْمَسِيحِيَّ، وَأَبَاحَ كُلَّ مُحَرَّمٍ لِمُعْتَقِدِيهِ، وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ مُؤْذِيًا لِلطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَسِيحِيِّينَ جَهْرًا، لَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى هَذَا الْإِيذَاءَ الْجَهْرِيَّ لَا يَنْفَعُ نَفْعًا مُعْتَدًّا بِهِ؛ دَخَلَ عَلَى سَبِيلِ النِّفَاقِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَادَّعَى رِسَالَةَ الْمَسِيحِ، وَأَظْهَرَ الزُّهْدَ الظَّاهِرِيَّ، فَفَعَلَ فِي هَذَا الْحِجَابِ مَا فَعَلَ، وَقَبِلَهُ أَهْلُ التَّثْلِيثِ لِأَجْلِ زُهْدِهِ الظَّاهِرِيِّ، وَلِأَجْلِ إِفْرَاغِ ذِمَّتِهِمْ مِنْ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا قَبِلَ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْمَسِيحَيِّينَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي " منتش " الَّذِي كَانَ زَاهِدًا مُرْتَاضًا، وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الْفَارْقَلِيطُ الْمَوْعُودُ بِهِ، فَقَبِلُوهُ لِأَجْلِ زُهْدِهِ وَرِيَاضَتِهِ كَمَا سَيَجِيءُ ذِكْرُهُ فِي الْبِشَارَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ سَلَفًا وَخَلَفًا.
قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ فِي حَقِّ بُولُسَ هَذَا مُجِيبًا لِبَعْضِ الْقِسِّيسِينَ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ هَكَذَا: " قُلْنَا ذَلِكَ - أَيْ: بُولُسَ - هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ عَلَيْكُمْ أَدْيَانَكُمْ، وَأَعْمَى بَصَائِرَكُمْ وَأَذْهَانَكُمْ، ذَلِكَ هُوَ الَّذِي غَيَّرَ دِينَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحِ، الَّذِي لَمْ تَسْمَعُوا لَهُ بِخَبَرٍ، وَلَا وَقَفْتُمْ مِنْهُ عَلَى أَثَرٍ، هُوَ الَّذِي صَرَفَكُمْ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَحَلَّلَ لَكُمْ كُلُّ مُحَرَّمٍ كَانَ فِي الْمِلَّةِ؛ وَلِذَلِكَ كَثُرَتْ أَحْكَامُهُ عِنْدَكُمْ وَتَدَاوَلْتُمُوهَا بَيْنَكُمْ " انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ (تَخْجِيلِ مَنْ حَرَّفَ الْإِنْجِيلَ) فِي الْبَابِ التَّاسِعِ مِنْ كِتَابِهِ فِي بَيَانِ فَضَائِحِ النَّصَارَى فِي حَقِّ بُولُسَ هَذَا هَكَذَا " وَقَدْ سَلَّهُمْ بُولُسُ هَذَا مِنَ الدِّينِ بِلَطِيفِ خِدَاعِهِ؛ إِذْ رَأَى عُقُولَهُمْ قَابِلَةٌ لِكُلِّ مَا يُلْقَى إِلَيْهَا، وَقَدْ طَمَسَ هَذَا الْخَبِيثُ رُسُومَ التَّوْرَاةِ " انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَهَكَذَا أَقْوَالُ عُلَمَائِنَا الْآخَرِينَ. فَكَلَامُهُ عِنْدَمَا مَرْدُودٌ وَرَسَائِلُهُ الْمُنْضَمَّةُ بِالْعَهْدِ الْعَتِيقِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.