قَالَ: مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) يَقُولُ: فَيَحْلِفَانِ بِاللهِ مَا كَانَ صَاحِبُنَا لَيُوصِي بِهَذَا إِنَّهُمَا لَكَاذِبَانِ، وَفِي قَوْلِهِ: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) يَعْنِي أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ، فَيَسْتَحِقُّونَ مَالَهُ بِأَيْمَانِهِمْ، ثُمَّ يُوضَعُ مِيرَاثُهُ كَمَا أَمَرَ اللهُ وَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْكَافِرِينَ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) : قَالَ: " مَا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا قَدْ جَاءَ عَلَى شَيْءٍ جَاءَ عَلَى إِدْلَالِهِ غَيْرُ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَئِنْ أَنَا لَمْ أُخْبِرْكُمْ بِهَا لَأَنَا أَجْهَلُ مِنَ الَّذِي يَتْرُكُ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، هَذَا رَجُلٌ خَرَجَ مُسَافِرًا وَمَعَهُ مَالٌ فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ أَدَّى فَسَبِيلُ مَا أَدَّى، وَإِنْ هُوَ جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ دُبُرَ صَلَاةٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي وَقَعَ إِلَيَّ وَمَا غَيَّبْتُ شَيْئًا، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ فَإِذَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَا الْكِتَابِ فَشَهِدَا عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ
مَا لَهُمْ جُعِلَتْ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ مَعَ شَهَادَتِهِمْ ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) انْتَهَى مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَفِيهِ غَلَطٌ وَتَحْرِيفٌ مِنَ الطَّبْعِ لَا سِيَّمَا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
هَذَا مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَفْسِيرِ بَعْضِهَا مِنْ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ.
وَأَمَّا وَجْهُ اتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً فَقَدْ قَالَ الرَّازِيُّ فِيهِ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أَمَرَ بِحِفْظِ الْمَالِ فِي قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) انْتَهَى وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْكَلَامَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَاهُ. وَأَظْهَرُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَّرَنَا فِي آخِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِأَنَّ مَرْجِعَنَا إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنَّهُ يُحَاسِبُنَا وَيُجَازِينَا نَاسَبَ أَنْ يُرْشِدَنَا فِي أَثَرِ ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَإِلَى الْعِنَايَةِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَضِيعَ.
وَأَمَّا مُفْرَدَاتُهَا الَّتِي يَحْسُنُ التَّذْكِيرَ بِمَعْنَاهُ قَبْلَ تَفْسِيرِ النَّظْمِ الْكَرِيمِ. فَمِنْهَا (الشَّهَادَةُ) وَهِيَ كَالشُّهُودِ: حُضُورُ الشَّيْءِ مَعَ مُشَاهَدَتِهِ بِالْبَصَرِ أَوِ الْبَصِيرَةِ أَوْ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ قَالَ: لَكِنَّ الشُّهُودَ بِالْحُضُورِ الْمُجَرَّدِ أَوْلَى، وَالشَّهَادَةَ مَعَ الشَّهَادَةِ أَوْلَى. . . وَالشَّهَادَةُ قَوْلٌ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ حَصَلَ بِمُشَاهِدَةِ بَصِيرَةٍ أَوْ بَصَرٍ. وَ " شَهِدْتُ " يُقَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ وَبِلَفْظِهِ تُقَامُ الشَّهَادَةُ، وَيُقَالُ " أَشْهَدُ بِكَذَا " وَلَا يَرْضَى مِنَ الشَّاهِدِ أَنْ يَقُولَ " أَعْلَمُ " بَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ " أَشْهَدُ "، وَالثَّانِي: يَجْرِي مَجْرَى الْقَسَمِ فَيَقُولُ " أَشْهَدُ بِاللهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.