يُفْسِدُونَ النِّسَاءَ وَيَسْتَمِيلُونَهُنَّ بِالْمَالِ، ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ الْمُتَصَدِّيَاتُ لِلْإِفْسَادِ، وَيَحِجْرُ وَاحِدُهُمْ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيَحْجُبُهَا، وَيَحْتَالُ عَلَى إِخْرَاجِ امْرَأَةِ غَيْرِهِ مِنْ خِدْرِهَا! وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّ الْحِلْيَةَ الَّتِي أَفْسَدَ بِهَا امْرَأَةَ غَيْرِهِ هِيَ الَّتِي يُفْسِدُ بِهَا غَيْرُهُ امْرَأَتَهُ، وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَفْسُقُ رَجُلٌ إِلَّا وَيَكُونُ أُسْتَاذًا لِأَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْفِسْقِ، وَمِنْ حِكَمِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ،
وَبَرُّوا آبَاءَكُمْ تَبِرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَالدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِمَعْنَاهُ، عَلَى أَنَّ فِي الرِّجَالِ الْفَاسِقِينَ، وَالْمُتَفَرْنِجِينَ الْمَارِقِينَ مَنْ مَرَدُوا عَلَى الْفِسْقِ وَصَارُوا يَرَوْنَهُ مِنَ الْعَادَاتِ الْحَسَنَةِ، فَخَزِيَتْ عِفَّتُهُمْ وَزَالَتْ غَيْرَتُهُمْ، فَهُمْ يَعُدُّونَ الدِّيَاثَةَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْكِيَاسَةِ، فَيُسْلِسُونَ الْقِيَادَ لِنِسَائِهِمْ، كَمَا يُسْلِسْنَ الْقِيَادَ لَهُمْ، وَذَلِكَ مُنْتَهَى مَا تُطِيقُهُ الرَّذِيلَةُ مِنَ الْجُهْدِ فِي إِفْسَادِ الْبُيُوتِ بِتَنْكِيثِ قُوَى الرَّابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَجَعْلِهَا وَسِيلَةً لِمَا هِيَ فِي الْفِطْرَةِ وَالشَّرِيعَةِ أَشَدُّ الْمَوَانِعِ دُونَهُ ; لِأَنَّهَا هِيَ الْحِصْنُ لِلْمُرْتَبِطِينَ بِهَا مِنْ فَوْضَى الْأَبْضَاعِ، وَالْحِفَاظِ لِمَا فِيهِ هَنَاءُ الْمَعِيشَةِ مِنَ الِاخْتِصَاصِ.
أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: ثَمَانِي آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هِيَ خَيْرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ، وَعَدَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ: يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: ضَعِيفًا وَالرَّابِعَةُ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (٤: ٣١) ، وَالْآيَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (٤: ٤٠) ، وَالْآيَةُ السَّادِسَةُ: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (٤: ٤٨) ، إِلَخْ، وَالسَّابِعَةُ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ (٤: ١١٠) ، إِلَخْ، وَالثَّامِنَةُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ (٤: ١٥٢) ، إِلَخْ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا قَالَ الْبَقَاعِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ " نَظْمِ الدُّرَرِ " مُبَيِّنًا وَجْهَ اتِّصَالِ الْآيَةِ الْأُولَى بِمَا قَبْلَهَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا: وَلَمَّا كَانَ غَالِبُ مَا مَضَى مَبْنِيًّا عَلَى الْأَمْوَالِ، تَارَةً بِالْإِرْثِ، وَتَارَةً
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.