الشَّاقَّةِ، فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:
الدَّرَجَاتُ هِيَ السَّبْعُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " التَّوْبَةِ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩: ١٢٠) ، يَعْنِي: أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ السَّبْعَةَ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا الْمُجَاهِدُونَ هِيَ الدَّرَجَاتُ ; لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهَا أَجْرًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -، وَمَجْمُوعُهَا مَعَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ هُوَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا دَرَجَاتُ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِلْأَجْرِ كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهِيَ مُرْتَبَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يَفْضُلُ الْمُجَاهِدُونَ بِهِ الْقَاعِدِينَ، وَأَهَمُّهُ مَصْدَرُهُ مِنَ النَّفْسِ وَهُوَ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَإِيثَارُ رِضَاهُ عَلَى الرَّاحَةِ وَالنَّعِيمِ، وَتَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الشَّهَوَاتِ الْخَاصَّةِ، وَالْمَغْفِرَةُ الْمَقْرُونَةُ بِهَذِهِ الدَّرَجَاتِ هِيَ أَنْ يَكُونَ لِذُنُوبِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ عِنْدَ الْحِسَابِ أَثَرٌ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي قَضَى عَدْلُ اللهِ بِأَنْ تَكُونَ سَبَبَ الْعِقَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَثَرَ يَتَلَاشَى فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الدَّرَجَاتِ، كَمَا يَتَلَاشَى الْوَسَخُ الْقَلِيلُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَالرَّحْمَةُ مَا يَخُصُّهُمْ بِهِ الرَّحْمَنُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا خَوَّلَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ وَجَمِيلِ الذِّكْرِ وَالثَّانِي مَا حَصُلَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الدَّرَجَةُ ارْتِفَاعُ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ، وَالدَّرَجَاتُ مَنَازِلُهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: الْقَاعِدُونَ " الْأُولَى " الْأَضِرَّاءُ، وَالْقَاعِدُونَ الثَّانِيَةُ: هُمُ الَّذِينَ أُذِنَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ اكْتِفَاءً بِغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: الْمُجَاهِدُونَ الْأَوَّلُونَ مَنْ جَاهَدَ الْكُفَّارَ، وَالْآخِرُونَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ، اهـ.
وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَكَانَ شَأْنُ اللهِ وَصَفَتُهُ أَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَغْفِرَةَ، رَحِيمٌ بِمَنْ يَتَعَرَّضُ لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ مَا فَضَّلَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا بِمَا اقْتَضَتْهُ صِفَاتُهُ، وَمَا هُوَ شَأْنُهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ بِأَنْوَاعِهِ وَلَا مَرَدَّ لَهُ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ نَافِعًا وَابْنَ عَامِرٍ قَرَءَا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، بِنَصْبِ غَيْرِ عَلَى الْحَالِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ وَهِيَ حِينَئِذٍ صِفَةٌ
لِـ الْقَاعِدُونَ وَقُرِئَتْ بِالْجَرِّ شُذُوذًا عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ: أَجْرًا عَظِيمًا، نَصْبَ أَجْرًا عَلَى الْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَجَرَهُمْ أَجْرًا عَظِيمًا، أَوْ عَلَى الْحَالِ وَدَرَجَاتٍ، بَدَلٌ مِنْهُ.
وَقَدْ تَرَكْتُ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، نَزَلَ لِأَجْلِ ابْنِ أُمٍّ مَكْتُومٍ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الْجَدِيرَةِ بِالرَّدِّ مَهْمَا قَوَّوْا سَنَدَهَا، وَلَعَلَّنَا نُفَصِّلُ الْقَوْلَ فِيهَا فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.