بِمَا يَنَالُهُ مِنَ الْفَوْزِ وَالشَّرَفِ وَالْغَنِيمَةِ مِنَ الدُّنْيَا عِنْدَمَا يَنْتَصِرُ الْحَقُّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَبِمَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ سَوَاءٌ أَدْرَكَ النَّصْرَ فِي الدُّنْيَا أَمْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَالنَّصِيبُ الْحَظُّ الْمَنْصُوبُ، أَيْ: الْمُعِينُ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: وَمَنْ يَشْفَعُ شَفَاعَةً سَيِّئَةً بِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَى عَدُوِّكَ فَيُقَاتِلَ مَعَهُ، أَوْ يُخْذِلَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قِتَالِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ، وَمَثْلُهَا كُلُّ إِعَانَةٍ عَلَى السَّيِّئَاتِ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا، أَيْ: نَصِيبٌ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَهُوَ مَا يَنَالُهُ مِنَ الْخِذْلَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، فَالْكِفْلُ بِمَعْنَى النَّصِيبِ الْمَكْفُولِ لِلشَّافِعِ لِأَنَّهُ أَثَرُ عَمَلِهِ، أَوِ الْمَحْدُودِ لِأَنَّهُ عَلَى قَدْرِهِ، أَوِ الَّذِي يَجِيءُ مِنَ الْوَرَاءِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا مُشْتَقٌّ مِنْ كَفَلِ الْبَعِيرِ وَهُوَ عَجُزُهُ، أَوْ مُسْتَعَارٌ مِنَ الْمَرْكَبِ الَّذِي يُسَمَّى كِفْلًا بِالْكَسْرِ، قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: وَالْكِفْلُ مِنْ مَرَاكِبِ الرِّجَالِ وَهُوَ كِسَاءٌ يُؤْخَذُ فَيُعْقَدُ طَرَفَاهُ ثُمَّ يُلْقَى مُقَدَّمُهُ عَلَى الْكَاهِلِ وَمُؤَخَّرُهُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزِ - أَيِ الْكَفَلُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْفَاءِ - وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ مُسْتَدِيرٌ يُتَّخَذُ مِنْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيُوضَعُ عَلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: " ذَلِكَ كَفَلُ الشَّيْطَانِ " يَعْنِي مَقْعَدَهُ ثُمَّ قَالَ: وَالْكِفْلُ مَا يَحْفَظُ الرَّاكِبَ مِنْ خَلْفِهِ، وَالْكِفْلُ النَّصِيبُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذَا، انْتَهَى، كَأَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ مِنْ نَاحِيَةِ الْكِفْلِ وَالْمُؤَخَّرِ.
وَالرَّاغِبُ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا لِابْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: إِنَّهُ مُسْتَعَارٌ مِنَ الْكِفْلِ - بِالْكَسْرِ - وَهُوَ الشَّيْءُ الرَّدِيءُ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْكَفَلِ، وَهُوَ أَنَّ الْكِفْلَ لَمَّا كَانَ مَرْكَبًا يَنْبُو بِرَاكِبِهِ صَارَ مُتَعَارَفًا فِي كُلِّ شِدَّةٍ كَالسِّيسَاءِ، وَهُوَ الْعَظَمُ النَّاتِئُ مِنْ
ظَهْرِ الْحِمَارِ فَيُقَالُ: لِأَحْمِلَنَّكَ عَلَى الْكِفْلِ وَالسِّيسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْآيَةِ مَنْ يَنْضَمَّ إِلَى غَيْرِهِ مُعِينًا لَهُ فِي فِعْلَةِ حَسَنَةٍ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ، وَمَنْ يَنْضَمَّ إِلَى غَيْرِهِ مُعِينًا لَهُ فِي فِعْلَةٍ سَيِّئَةٍ يَنَلْهُ مِنْهَا شِدَّةٌ، وَقِيلَ: الْكِفْلُ الْكَفِيلُ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى شَرًّا فَلَهُ مِنْ فِعْلِهِ كَفِيلٌ يَسْأَلُهُ، كَمَا قِيلَ مَنْ ظَلَمَ فَقَدْ أَقَامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ، تَنْبِيهًا إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ عُقُوبَتِهِ انْتَهَى.
وَفَسَّرَ الْآيَةَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا شَيْخُ الْمُفَسِّرِينَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الشَّفَاعَةَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنَحْنُ جَعَلْنَاهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ أُمِرَ أَوَّلًا بِالْقِتَالِ وَحْدَهُ فَكَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْقِتَالِ مَعَهُ قَدْ تَصَدَّى لِأَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مَعَهُ شَفِيعًا، وَاسْمُ الشَّرْطِ فِي مَنْ يَشْفَعْ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ وَلَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا دُخُولًا أَوَّلِيًّا بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً، شَفَاعَةَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ عَمَّ بِذَلِكَ كُلُّ شَافِعٍ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَحُضُّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِالْوَعْدِ لِمَنْ أَجَابَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْوَعِيدِ لِمَنْ أَبَى إِجَابَتَهُ - أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْحَثِّ عَلَى شَفَاعَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ اهـ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالَ مَنْ ذَكَرُوا أَنَّهَا فِي شَفَاعَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.