مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَأُجِيبُ بِتَعَدُّدِ الصَّلَاةِ وَحُضُورِ جَابِرٍ فِي كُلٍّ مِنْهَا، وَعُسْفَانُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ.
وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى نَصِّ الْآيَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي وَاقِعَةٍ كَانَ فِيهَا الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فَاحْتِيجَ إِلَى وُقُوفِ طَائِفَةٍ تُجَاهَهُ لِحِرَاسَةِ الْمُصَلِّينَ وَلِهَذَا اسْتَنْكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْخَامِسَةِ، وَفِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَاكْتُفِيَ فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَّا يَسْجُدَ الصَّفَّانِ مَعًا بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ ; لِأَنَّ حَالَ الْعَدُوِّ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ إِلَّا فِي وَقْتِ السُّجُودِ.
(٧) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (٢: ٢٣٩) ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا - جَمْعُ رَاجِلٍ وَهُوَ مَا يُقَابِلُ الرَّاكِبَ - قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا قَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَالَ: " فَإِنْ كَانَ خَوْفًا أَشَدَّ مِنْ
ذَلِكَ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا "، أَيْ: يُصَلِّي كَيْفَمَا كَانَتْ حَالُهُ وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِيمَاءً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ صَلَاةُ النَّاسِ فُرَادَى عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارِ مِنَ الْخَوْفِ، لَا مِنَ الزَّحْفِ، أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ الْعَدُوِّ عِنْدَ طَلَبِهِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَنْ يَطْلُبُ الْعَدُوَّ وَمَنْ يَطْلُبُهُ الْعَدُوُّ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَطْلُوبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ إِيمَاءً وَإِنْ كَانَ طَالِبًا نَزَلَ فَصَلَّى بِالْأَرْضِ.
وَفَصَّلَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَيَخَافُ عَوْدَ الطَّلُوبِ عَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَعَقَّبٌ بِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ طَالِبًا مِنْ مَطْلُوبٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ عَمَلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَمَا أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ لِيَقْتُلَهُ إِذْ كَانَ يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: " فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي وَأُومِئُ إِيمَاءً "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَأَخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ مِنَ الْآيَةِ التَّالِيَةِ كَمَا يَأْتِي.
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ، أَيْ: أَدَّيْتُمُوهَا وَأَتْمَمْتُمُوهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ كَمَا بَيَّنَّا لَكُمْ مِنَ الْقَصْرِ مِنْهَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ (٢: ٢٠٠) ، فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ أَيْ: اذْكُرُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ بِتَذَكُّرِ وَعْدِهِ بِنَصْرِ مَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.