الْعَامَّةِ الَّتِي تُرْضِي اللهَ - تَعَالَى - يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ، أَمَّا فِي السَّرَّاءِ فَلِمَا يُحْدِثْهُ السُّرُورُ وَالْغِنَى مِنَ الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ وَشِدَّةِ الطَّمَعِ وَبُعْدِ الْأَمَلِ، وَأَمَّا فِي الضَّرَّاءِ فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرَى نَفْسَهُ فِيهَا جَدِيرًا بِأَنْ يَأْخُذَ وَمَعْذُورًا إِنْ لَمْ يُعْطِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِالْفِعْلِ، إِذْ مَهْمَا كَانَ فَقِيرًا لَا يَعْدِمُ وَقْتًا يَجِدُ فِيهِ فَضْلًا يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَوْ قَلِيلًا، وَدَاعِيَةُ الْبَذْلِ فِي النَّفْسِ هِيَ الَّتِي تُنَبِّهُ الْإِنْسَانَ إِلَى هَذَا الْعَفْوِ الَّذِي يَجِدُهُ أَحْيَانًا لِيَبْذُلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الدَّاعِيَةُ مَوْجُودَةً فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ فَأَمْرُ الدِّينِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لِتَعْدِيلِ الْفِطْرَةِ الْمَائِلَةِ وَتَصْحِيحِ مِزَاجِ الْمُعْتَلَّةِ يُوجِدُهَا وَيَكُونُ نِعْمَ الْمُنَبِّهُ لَهَا، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الضَّرَّاءَ بِمَا يُخْرِجُ الْفُقَرَاءَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ.
يَقُولُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ: إِنَّ تَكْلِيفَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ الْبَذْلَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا غِنَاءَ فِيهِ وَرُبَّمَا يَقُولُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا - يَعْنِي أَنَّهُ يَنْتَقِدُ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، وَالْعِلْمُ الصَّحِيحُ يُفِيدُنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الْفَقِيرِ كَرِيمَةً فِي ذَاتِهَا وَأَنْ يَتَعَوَّدَ صَاحِبُهَا الْإِحْسَانَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَبِذَلِكَ تَرْتَفِعُ نَفْسُهُ وَتَطْهُرُ مِنَ الْخِسَّةِ وَهِيَ الرَّذِيلَةُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْفُقَرَاءِ فَتَجُرُّهُمْ إِلَى رَذَائِلَ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ إِنَّ النَّظَرَ يَهْدِينَا إِلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ، فَلَوْ أَنَّ كُلَّ فَقِيرٍ فِي الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ مَثَلًا يَبْذُلُ فِي السَّنَةِ قِرْشًا وَاحِدًا لِأَجْلِ التَّعْلِيمِ لَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ أُلُوفُ الْأُلُوفِ وَتَيَسَّرَ بِهِ عَمَلٌ فِي الْبِلَادِ كَبِيرٌ، فَكَيْفَ إِذَا أَنْفَقَ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى قَدْرِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ إِلَخْ.
إِذَا كَانَ اللهُ - تَعَالَى - قَدْ جَعَلَ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِهِ عَلَامَةً عَلَى التَّقْوَى أَوْ أَثَرًا مِنْ آثَارِهَا حَتَّى فِي حَالِ الضَّرَّاءِ، وَكَانَ انْتِفَاؤُهُ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِ التَّقْوَى الَّتِي هِيَ سَبَبُ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ أَهْلِ السَّرَّاءِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ؟ وَهَلْ يُغْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ مِنْ شَيْءٍ أَدَاءُ الرُّسُومِ الدِّينِيَّةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَتَمَرَّنُونَ عَلَيْهَا عَادَةً مَعَ النَّاسِ؟
٢ - وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ قَالَ الرَّاغِبُ: الْغَيْظُ أَشَدُّ الْغَضَبِ وَهُوَ الْحَرَارَةُ الَّتِي يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ فَوَرَانِ دَمِ قَلْبِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْغَيْظُ أَلَمٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ إِذَا هُضِمَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا الْمَادِّيَّةِ كَالْمَالِ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالشَّرَفِ، فَيُزْعِجُهَا إِلَى التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ، وَمَنْ أَجَابَ دَاعِيَ الْغَيْظِ إِلَى الِانْتِقَامِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الِاعْتِدَالِ وَلَا يَكْتَفِي بِالْحَقِّ بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى الْبَغْيِ ; فَلِذَلِكَ كَانَ مِنَ التَّقْوَى كَظْمُهُ، وَفِي رُوحِ الْمَعَانِي: إِنَّ الْغَيْظَ هَيَجَانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُنْكَرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَضَبِ عَلَى مَا قِيلَ أَنَّ الْغَضَبَ يَتْبَعُهُ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ أَلْبَتَّةَ وَلَا كَذَلِكَ الْغَيْظُ، وَقِيلَ: الْغَضَبُ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ وَالْغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
وَالِاقْتِصَارُ فِي سَبَبِ الْغَيْظِ عَلَى رُؤْيَةِ مَا يُنْكَرُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَأَمَّا الْكَظْمُ فَقَدْ قَالَ فِي الْأَسَاسِ: كَظَمَ الْبَعِيرُ جِرَّتَهُ ازْدَرَدَهَا وَكَفَّ عَنِ الِاجْتِرَارِ. . وَكَظَمَ الْقِرْبَةَ مَلَأَهَا وَسَدَّ رَأْسَهَا، وَكَظَمَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.