الْحَبْلُ، فَأَيُّ رَجَاءٍ فِي الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ يَمْنَعُ عَنْهَا غَضَبَ اللهِ وَسَخَطَهُ؟ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الظُّلْمَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ يُؤَدِّي إِلَى الشَّقَاءِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّهُ مُشِقٌ بِطَبِيعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ بَلَغَ التَّرَاخِي وَالِانْفِصَامُ فِي رَابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِعَهْدِنَا هَذَا مَبْلَغًا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَأَسْرَفَ الرِّجَالُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَثُرَ نُشُوزُ النِّسَاءِ وَافْتِدَاؤُهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ بِالْخُلْعِ، لِفَسَادِ
الْفِطْرَةِ فِي الزَّوْجَيْنِ، وَاعْتِدَاءِ حُدُودِ اللهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ وَوَرَدَ مِثْلُهُ أَيْضًا فِي طَلَبِ الْمَرْأَةِ لَهُ كَحَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ جَرِيرٍ وَالْحَاكِمِ والْبَيْهَقِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) فَطَلَبُ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ مَحْظُورٌ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَالْجُمْهُورُ اسْتَكْرَهُوهُ وَلَكِنْ نَفَّذُوهُ.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الطَّلَاقَ مَرَّتَانِ وَأَنَّهُ يَكُونُ بِلَا عِوَضٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعِوَضٍ قَالَ: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أَيْ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ طَلْقَةً ثَالِثَةً - وَهِيَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ - فَلَا يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ زَوَاجًا صَحِيحًا مَقْصُودًا حَصَلَ بِهِ مَا يُرَادُ بِالزَّوَاجِ مِنَ الْغِشْيَانِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: عَبَّرَ عَنِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ بِـ (إِنْ) دُونَ إِذَا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ مُطْلَقًا، كَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى أَنْ يَتَجَاوَزَ الطَّلَاقُ الْمَرَّتَيْنِ، وَالنِّكَاحُ لَهُ طَلَاقَانِ: الْعَقْدُ وَمَا وَرَاءَ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الَّذِي يُكْنَى عَنْهُ بِالدُّخُولِ. وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّ الْحَلَّ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، إِذْ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ الْمُخَالَطَةِ الزَّوْجِيَّةِ أَخْذًا مِنْ إِسْنَادِ النِّكَاحِ
إِلَى الْمَرْأَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَوَلَّى الْعَقْدَ، وَمِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.