وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ أَيْ مُسْتَحِقِّينَ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِشِرْكِهِمْ وَمَفَاسِدِهِمْ فِيهِ، كَطَوَافِهِمْ فِيهِ عُرَاةَ الْأَجْسَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً، وَلَمَّا أَجَابَ اللهُ دُعَاءَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَجْعَلَ لِلنَّاسِ أَئِمَّةً مِنْ ذُرِّيَّتِهِ كَمَا جَعَلَهُ إِمَامًا لَهُمْ، أَجَابَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ عَهْدَهُ بِالْإِمَامَةِ لَا يَنَالُ الظَّالِمِينَ، وَأَيُّ ظُلْمٍ أَعْظَمُ شَنَاعَةً وَفَسَادًا مِنَ الشِّرْكِ؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٣١: ١٣) وَكَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلَاةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَنَصُدُّ مَنْ نَشَاءُ، وَنُدْخِلُ مَنْ نَشَاءُ فَقَالَ تَعَالَى: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ وَسَائِرِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الصَّادِقُونَ، وَقَدْ وُجِدُوا. وَهَذَا غَايَةُ التَّأْكِيدِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَفَى وِلَايَةَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ بَيْتِ اللهِ تَعَالَى نَفَى كُلَّ وِلَايَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا وِلَايَةَ الْمُتَّقِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ عَدُوٌّ لَهُمْ وَخِيَارُهُمْ لَا مَنْ لَا فَضْلَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يَدَّعُونَ حَقَّ الْوِلَايَةِ بِأَنْسَابِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَيْ وَلِمَ لَا يُعَذِّبُ اللهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ انْتِفَاءِ سَبَبَيْ مَنْعِ الْعَذَابِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَهُ وَأَنْصَارَ دِينِهِ الَّذِينَ لَا يُعَذِّبُهُمْ؟ وَكَأَنَّ سَائِلًا يَسْأَلُ: مَنْ أَوْلِيَاؤُهُ تَعَالَى إِذًا؟ فَأُجِيبَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ بِالْإِثْبَاتِ بَعْدَ النَّفْيِ: مَا أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، أَيِ الَّذِينَ صَارَتِ التَّقْوَى الْعَامَّةُ صِفَةً رَاسِخَةً فِيهِمْ، وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ فِيهَا مِنَ التَّفْصِيلِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَمَا هِيَ بِبَعِيدٍ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ فِي هَذَا
السِّيَاقِ، وَالثَّانِي أَخَصُّ وَيُؤَيِّدُهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٠: ٦٢، ٦٣) وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوِلَايَةِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَوُجُودِ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُوَحِّدِينَ الصَّالِحِينَ، وَكَانُوا يَدَّعُونَ هَذَا الْحَقَّ بِنَسَبِهِمُ الْإِبْرَاهِيمِيِّ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الظُّلْمُ، وَبِقُوَّتِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى ضَعْفٍ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَلَا أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَيْسُوا إِلَّا الْمُتَّقِينَ، فَهُمُ الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِهِ بِمُقْتَضَى عَدْلِهِ فِي خَلْقِهِ، وَالْحَقِيقُونَ بِالْوِلَايَةِ عَلَى بَيْتِهِ، عَلَى مَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ بِفَضْلِهِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ آيَاتُهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْجَهْلَ إِلَى أَكْثَرِهِمْ إِذْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَجْهَلُ سُوءَ حَالِهِمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ، وَكَوْنِهِ لَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى، فَإِنِ امْتَنَعَ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ كِبْرًا وَعِنَادًا، فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَتَرَبَّصُ الْفُرْصَةَ لِإِظْهَارِهِ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْهِجْرَةِ، وَمِنْهُمُ الْمُسْتَعِدُّونَ لَهُ بِسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ، وَلِلتَّفَاوُتِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.