(عِلَاوَةٌ فِي بَيَانٍ)
كَوْنُ كَثْرَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى نُصُوصِ الشَّارِعِ وَالتَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ بِاسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُخِلًّا بِيُسْرِ الْإِسْلَامِ وَمُنَافِيًا لِمَقْصِدِهِ.
نَفْتَتِحُ هَذَا الْفَصْلَ بِمُقْدِمَاتٍ مِنَ الْمَسَائِلِ أَكْثَرُهُنَّ مَقَاصِدُ لَا وَسَائِلُ، يَتَجَلَّى بِهِنَّ الْمُرَادُ وَيَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ.
(١) إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ دِينَهُ وَأَتَمَّ بِهِ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ وَبِمَا قَامَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلَ الْقِيَامِ مِنْ بَيَانِ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِنْ تَنْزِيلِهِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَطْعِيَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفَصِّي الْقَوْلِ فِيهَا فِي تَفْسِيرِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٥: ٣) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
(٢) إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ قَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ الْحَرَجَ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سِيَاقِ آيَاتِ الصِّيَامِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النَّصَّيْنِ، وَسَيَأْتِي نَصٌّ آخَرُ فِي مَعْنَى نَصِّ آيَةِ الْوُضُوءِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْلَى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) (٨٧: ٨) أَيِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَفْضُلَ
غَيْرَهَا بِالْيُسْرِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَوَصَفَهَا بِقَوْلِهِ: " لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا " وَجَعَلَ الدِّينَ عَيْنَ الْيُسْرِ مُبَالِغَةً فِي يُسْرِهِ فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ " إِلَخْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَحَبُّ الدِّينِ وَفِي لَفْظٍ: الْأَدْيَانِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَحَدِ أَبْوَابِ الصَّحِيحِ تَعْلِيقًا، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ: (لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ.
(٣) إِنَّ الْقُرْآنَ الْحَكِيمَ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (٦: ٣٨) وَقَالَ: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (١٦: ٨٩) وَأَمَّا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ وَالْمُبَيِّنُ لِمُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِمَّا جَاءَ فِيهِ مُجْمَلًا، قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لَهُ: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (٤٢: ٤٨) وَقَالَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) وَقَالَ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) (٤: ١٠٥) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.