إلَى الْقُدْسِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إذَا أَنَا بِرَجُلٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، عَلَيْهِ الْمُسُوحُ، قَالَ: فَجَلَسْتُ إلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْرِفُ فُلَانًا الَّذِي كَانَ بِمَدِينَةِ فَارِسَ؟ فَقَالَ لِي: نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ الَّذِي وَصَفَهُ لِي، قُلْتُ: كَيْفَ وَصَفَهُ لَك؟ قَالَ: وَصَفَهُ لِي، فَقَالَ: إنَّهُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ، يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَغْلَةَ، الرَّحْمَةُ فِي قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، يَكُونُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ عِنْدَهُ سَوَاءً، لَيْسَ لِلدُّنْيَا عِنْدَهُ مَكَانٌ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، كَبَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، مَكْتُوبٌ فِي بَاطِنِهِ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي ظَاهِرِهِ تَوَجَّهْ حَيْثُ شِئْتَ، فَإِنَّك مَنْصُورٌ، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، لَيْسَ بِحَقُودٍ وَلَا حَسُودٍ، لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا، فَمَنْ صَدَّقَهُ وَنَصَرَهُ كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُعْطَاهُ، قَالَ سَلْمَانُ: فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ، وَقُلْت: لَعَلِّي أَقْدِرُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَمَرَّ بِي أَعْرَابٌ مِنْ كَلْبٍ، فَاحْتَمَلُونِي إلَى يَثْرِبَ، وَسَمَّوْنِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: فَبَاعُونِي لِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: حُلَيْسَةُ بِنْتُ فُلَانٍ حليف لبني النجار بثلثمائة دِرْهَمٍ، وَقَالَتْ لِي: سِفْ هَذَا الْخَوْصَ١ وَاسْعَ عَلَى بَنَاتِي، قَالَ: فَمَكَثْتُ عَلَى ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَسَمِعْتُ بِهِ، وَأَنَا فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ أَلْتَقِطُ الْخِلَالَ٢ فَجِئْتُ إلَيْهِ أَسْعَى حَتَّى دَخَلْت عَلَيْهِ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَوَضَعْت بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْخِلَالِ، فَقَالَ لِي: "مَا هَذَا"؟ قُلْت: صَدَقَةٌ، قَالَ: "إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"، فَرَفَعْته مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَنَاوَلْت مِنْ إزَارِي شَيْئًا آخَرَ، فَوَضَعْته بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا"؟ قُلْت: هَدِيَّةٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَطْعَمَ مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ فَقَالَ لِي: "أَحُرٌّ أَنْتَ أَمْ مَمْلُوكٌ"؟ قُلْت: مَمْلُوكٌ، قَالَ: "فَلِمَ وَصَلْتنِي بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ"؟ قُلْت: كَانَ لِي صَاحِبٌ مِنْ أَمْرِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَذَكَرْت لَهُ قِصَّتِي كُلَّهَا، فَقَالَ لِي: "إنَّ صَاحِبَك كَانَ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ} " الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي عليه السلام: "هَلْ رَأَيْت فِي مَا قَالَ لَكَ"؟ قُلْت: نَعَمْ، إلَّا شَيْئًا بَيْنَ كَتِفَيْك، قَالَ: فَأَلْقَى عليه السلام رِدَاءَهُ عَنْ كَتِفِهِ، فَرَأَيْت الْخَاتَمَ مِثْلَ مَا قَالَ، فَقَبَّلْته، ثُمَّ قُلْت: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ عليه السلام لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "يَا عَلِيُّ اذْهَبْ مَعَ سَلْمَانَ إلَى حُلَيْسَةَ، فَقُلْ لَهَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لَك: إمَّا أَنْ تَبِيعِينَا هَذَا، وَإِمَّا تُعْتِقِيهِ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكِ خِدْمَتُهُ"، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا لَمْ تُسْلِمْ، قَالَ: " يَا سَلْمَانَ أَلَمْ تَدْرِ مَا حَدَثَ بَعْدَك عَلَيْهَا، دَخَلَ عَلَيْهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، فَعَرَضَ
١ قوله: سف الخوص من سف الخوص، أي نسجها، كما في النهاية.٢ قوله: التقط الخلال يعني البسر أول إدراكه واحدتها خلالة بالفتح انتهى.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute