للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله خاطئ مذنب.

قال الراهب: فليعطنى ما اثق به على اطمأنينته، فعرضوا على سعيد أن يعطي الراهب ما يريد. قال سعيد: إني أعطي العظيم الذي لا شريك له لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء الله، فرضي الراهب ذلك. فقال لهم: اصعدوا وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علي في الصومعة لمكانكم، فلما صعدوا وأوتروا القسي إذا هم بلبوة قد أقبلت، فلما دنت من سعيد تحاكت به وتمسحت به ثم ربضت قريبا منه، وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا نزل إليه، فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله محمد ، ففسر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب وحسن إسلامه، وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل فصلوا عليه، فيقولون:

يا سعيد قد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه، فمرنا بما شئت. قال: امضوا لأمركم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضائه، فساروا حتى بلغوا واسطا، فلما انتهوا إليها. قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت بكم وبصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر، وأن المدة قد انقضت، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت، وأستعد لمنكر ونكير واذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم الموضع الذي تريدون. قال بعضهم: لا نريد أثرا بعد عين. وقال بعضهم: قد بلغتم أملكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه. فقال: بعضهم يعطيكم ما أعطى الراهب ويلكم! أما لكم عبرة بالأسد كيف تحاكت به وتمسحت به وحرسته إلى الصباح. فقال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله، فنظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه وشعث رأسه واغبر لونه، ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه. فقالوا: بجماعتهم يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نسرح إليك؟ الويل لنا ويلا طويلا كيف ابتلينا بك! اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر، فإنه القاضي الأكبر والعدل الذي

<<  <  ج: ص:  >  >>