ولم يعد فرعون يملك لموسى من الكيد إلا أن يرعد ويبرق ويموه ويخدع ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ ولم يكن ليأخذ على يديه أحد من الحاضرين، ولا هناك من الأسباب العادية ما يمنعه أن يبطش بموسى، فإن الدولة دولته والجنود جنوده، لكنها عناية الله برسوله وما آتاه من آيات وسلطان قد بهر فرعون وقطع نياط قلبه، ولم يملك أيضا ملأ فرعون وزبانيته سوى أن يثيروا حفيظته ويغروه بموسى ومن آمن به، ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾.
من هذا يتبين للعاقل أن موسى وهو وحيد غريب وقومه مستعبدون لم يقف هذا الموقف من فرعون وملئه والدولة دولتهم إلا وهو مؤيد من ربه، صادق في دعوته أن هذا لهو الحق المبين.
ثانيا: جرت سنة الله العادلة أن يفتح بالحق بين رسله وبين من كذب بهم من الأمم، فينصر رسله ومن سار سيرتهم ويجعلهم خلفاء في الأرض، ويهلك من كذبهم وانحرف عن طريقتهم، ليكون ذلك من آيات الله التي يفصل بها بين الصادق والكاذب والحق والباطل والشريعة العادلة والقوانين الجائرة ﴿وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾، وقال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾، وقال: قال ﴿موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾.