قال ابن أبي نَجِيح: زَعَم الحسن بن يَزيد (١) العِجْليّ، عن ابن مسعود في قوله تعالى:(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال (٢) لا يستوي أهل الكتاب وأمَّة محمد ﷺ.
وهكذا قال السُّدِّي، ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمامُ أحمدُ بن حنبل في مسنده.
حدثنا أبو النَّضْر وحسن بن موسى قالا حدثنا شَيْبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسولُ الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة: فقال: "أَمَا إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الأدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ". قال: وأُنزلَت هذه الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [أُمَّةٌ قَائِمَةٌ] (٣)) إلى قوله (٤)(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)(٥).
والمشهور عن (٦) كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العَوْفِيّ عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى:(لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا (٧) كلُّهم على حَدّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى:(مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] (٨) أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه (٩) مُتَّبِعة نبيَّ الله، [فهي](١٠)(قَائِمَةٌ) يعني مستقيمة (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم (١١)(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]﴾ (١٢)[الآية ١٩٩] وهكذا قال هاهنا: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا.
ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي لا يُرَدّ عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن، والسُّدِّي، فقال تعالى:
(١) في أ، و: "ابن أبي يزيد". (٢) في أ، و: "يقول". (٣) زيادة من جـ، ر، أ، و. (٤) في جـ، ر، أ، و: "حتى بلغ". (٥) المسند (١/ ٣٩٦). (٦) في أ، و: "عند". (٧) في أ: "ليس". (٨) زيادة من جـ. (٩) في جـ، ر، أ، و: "لشرع الله". (١٠) زيادة من جـ، أ، و. (١١) في أ: "صلاتهم". (١٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي الأصل: "الآية".