مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر (١) بن مَخزُوم (٢).
قال: ثم إن قريشا تَجَزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قُصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قُصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحَطيم.
ثم إن الناس هابوا هَدْمها وفَرقُوا (٣) منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هَدْمها: فأخذ المعْولَ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم تَرعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عَمَله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم [بهم](٤) إلى الأساس، أساس إبراهيم، ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا (٥).
قال [محمد بن إسحاق](٦) فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عَتَلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس (٧).
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جَمَعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن -يعني الحجر الأسود -فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال. فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا: لعَقَة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا. ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم -وكان عامئذ أسن
(١) في أ: "الوليد بن المغيرة بن عمر بن عبد الله". (٢) السيرة النبوية لابن إسحاق (نص رقم ١٠٣) ط، حميد الله، المغرب. (٣) في جـ: "وخافوا". (٤) زيادة من جـ، ط، أ، و. (٥) السيرة النبوية لابن إسحاق (نص رقم ١٠٥) ط، حميد الله، المغرب. (٦) زيادة من جـ، ط. (٧) السيرة النبوية لابن إسحاق (نص رقم ١٠٦) ط، حميد الله، المغرب.