أبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. وقد قال الله:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)(١)
وقوله:(نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:(نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) فلا نعمل بها، (أَوْ نَنسأهَا) أي: نرجئها (٢) عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي:(نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة:(نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر (٣) اليهود وتزييف شبهتهم -لعنهم الله (٤) -في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير،﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة
(١) صحيح البخاري برقم (٤٤٨١). (٢) في جـ: "نؤخرها"، وفي أ: "نركثها". (٣) في أ: "لكفار". (٤) في أ: "لعنة الله عليهم".