يخبر تعالى عن ورود يعقوب، ﵇، على يوسف، ﵇، وقدومه بلاد (١) مصر، لما كان يوسف قد تقدم إلى إخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد (٢) مصر، فلما أخبر يوسف، ﵇، باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر [الملك](٣) أمراءه وأكابر الناس بالخروج [مع يوسف](٤) لتلقي نبي الله يعقوب، ﵇، ويقال: إن الملك خرج أيضا لتلقيه، وهو الأشبه.
وقد أشكل قوله:(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ) على كثير (٥) من المفسرين، فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام:(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) وآوى إليه أبويه، ورفعهما على العرش.
وقد رد ابن جرير هذا. وأجاد في ذلك. ثم اختار ما حكاه عن السٌّدِّي: أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال:(ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)
وفي هذا نظر أيضا؛ لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وفي الحديث: "من أوى محدثا" وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: (ادْخُلُوا مِصْرَ) وضمَّنه: اسكنوا مصر (إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط، ويقال -والله أعلم -: إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله ﷺ على أهل مكة حين قال:"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه، وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم، فَرُفِعَ عنهم بقية ذلك ببركة دعائه، ﵇(٦).
وقوله:(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) قال السدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه (٧) وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديما.
وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان.
قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها. وهذا الذي نصره
(١) في أ: "على". (٢) في ت، أ: "ديار". (٣) زيادة من ت، أ. (٤) زيادة من ت، أ. (٥) في ت: "كثيرين". (٦) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٠٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. (٧) في ت: "أبوه".