أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧، ١٤٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ [إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ](١)﴾ [سبأ: ٣٤]
وقوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا) أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات، (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) أي: قطر السماء ونبات الأرض. قال تعالى:(وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ولكن كذبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم.
ثم قال تعالى مخوفًا ومحذرًا من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره:(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) أي: الكافرة (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا) أي: عذابنا ونكالنا، (بياتا) أي: ليلا (وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) أي: في حال شغلهم وغفلتهم، (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)؛ ولهذا قال الحسن البصري،﵀:"المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن".
قال ابن عباس، ﵄، في قوله:(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا) أو لم نُبَيًن، [وكذا قال مجاهد والسدي، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أو لم نبين](٢) لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم.
وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها: يقول (٣) تعالى: أو لم نبيِّن للذين يستخلفون في الأرض من بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم:(أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) يقول: ونختم على قلوبهم (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) موعظة ولا تذكيرًا.