للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولهذا قال تعالى ههنا: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) (١) أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) أي: ساكنين (٢) فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان.

ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: جحدوا بها وخالفوها (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) أي: هم أهلها والداخلون إليها.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رَهْط من أصحاب النبي ، قالوا: نقطع مَذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك: فقالوا: نعم فقال النبي : " لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسُنَّتِي فهو مِنِّي، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني". رواه ابن أبي حاتم.

وروى ابن مردويه من طريق العَوْفي، عن ابن عباس نحو ذلك.

وفي الصحيحين، عن عائشة، ؛ أن ناسا من أصحاب رسول الله (٣) سألوا أزواج النبي عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني". (٤)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مُخَلَّد، عن عثمان -يعني أبن سعد-أخبرني عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم (٥) انتشرتُ للنساء، وإني حَرَّمْتُ عليّ اللحم، فنزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)

وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعًا، عن عمرو بن علي الفَلاس، عن أبي عاصم النبيل، به.


(١) في ر: "الأنهار خالدين فيها".
(٢) في ر، أ: "ماكثين".
(٣) في أ: "النبي".
(٤) هذا لفظ حديث أنس بن مالك: رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٦٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٠١). أما حديث عائشة فلفظه: صنع النبي شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي فحمد الله وأثني عليه ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله واشدهم له خشية". رواه البخاري برقم (٧٣٠١) ومسلم برقم (٢٣٥٦).
(٥) في أ: "أكلت من هذا اللحم".