للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموازنة بين مفاسد تلك التصرفات ومصالحها:

تقتضي عملية الموازنة بين مفاسد تصرف ما ومصالحه نصب ميزان له كفتان، يوضع في إحدى كفتيه ما يراد وزنه من مفاسد أو مصالح، ويوضع في الكفة الأخرى المعايير التي توزن بها تلك المفاسد والمصالح، ثم يقارن بين النتائج، ليعرف أيهما أعظم أثراً على الإنسان، ثم يحكم بعد ذلك على التصرف بالنظر إلى نتائج المقارنة، فلنبدأ بتحديد المعايير التي يوزن بها:

هنالك معياران يتخذهما أهل العلم والاجتهاد لمعرفة قيم المصالح والمفاسد: معيار نوعي هو الأهم، ومعيار كمي:

فأما الأول فهو تحديد نوع المقصد الشرير الذي تتعلق به المفسدة أو المصلحة، هل هو ضروري أم حاجي أم تحسيني.

وأما الثاني فهو تحديد كمية المتضررين من الناس من جراء وقوع المفسدة أو ترك المصلحة، وكمية المنتفعين من جراء دفع الأولى وتحقيق الأخرى. وذلك بالنظر إلى عدد الناس المتضررين والمنتفعين إن كان محصوراً أو غير محصور.

المعيار الأول:

يرى علماء الشريعة أن أحكامها ترجع إلى تحقيق مقاصد الشارع في الخلق وحمايتها. وأن هذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية. ويقول الشاطبي في تحديد مفاهيم هذه الأقسام:

(الضرورية معناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ... ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل ... وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة ... كإصابة الصيد والتمتع بالطيبات مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً ومركباً وما أشبه ذلك ... وأما التحسينيات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق) (١)


(١) الموافقات: ٢/٨، ١١، وانظر أيضاً مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط للدكتور محمد أديب صالح ص ٤٦٦، ٤٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>