للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المطلب الثاني

الحكم الشرعي للانتفاع بالجنين

بعد نفخ الروح فيه

سبق أن الجنين الذي بلغ من العمر أربعة أشهر ونفخت فيه الروح آدمي حي. وأن الانتفاع بأخذ أجزائه أو بإجراء التجارب عليه إذا تسبب في إزهاق روحه يكون قتلاً لآدمي حي. وقتل الآدمي في الإسلام لا يحل إلا أن يكون عقوبة على معاص حددها الشرع، ولا يوجد مسوغ له غير ذلك، وهو لا يتصور من الجنين بلا شك. ولا يسوغ إزهاق روح الآدمي كونه سبباً في إحياء روح آدمي آخر (١) ؛ لأن الأرواح الآدمية في ميزان الإسلام سواء ما دام أصحابها لم يرتكبوا من المعاصي ما يستوجب إهدار أرواحهم.

وهذا الحكم لا يختلف سواء أكان الجنين في بطن أمه، أم كان قد سقط منه بسبب من الأسباب ما دامت روحه باقية فيه، ولم تخرج من جسده؟ فلا يحل في شرع الله تعالى أن يمس بأي أذى، وإن كان ذلك بإذن الأبوين أو بناء على تبرعهما نيابة عن الجنين؟ لأن النيابة مقررة لمصلحة المنوب عنه، وليس لأي نائب أن يتصرف بما يتسبب بالضرر لمن ينوب عنه.

وأما إذا كان الجنين ميتاً بأن فارقته الروح بعد نفخها فيه، فحاله كحال الآدمي المولود الذي فارقته الروح، وحقه في الشرع أن يكرم بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وعدم التمثيل بجثته. والأصل أنه لا يحل أن يؤخذ شيء من جسد الأدمي الميت أو يجرى عليه من التجارب ما يغير خلقته إلا بإذن صدر من ذلك الميت قبل وفاته. والإذن من الجنين قبل وفاته غير متصور، ومقتضى القواعد الشرعية أن لا يقبل إذن أبويه؛ لأن إذن الإنسان في غير ما يملك لا قيمة له، وهما لا يملكان أن يتبرعا بشيء من جسد الجنين، لا عن طريق الإرث، ولا عن طريق النيابة الشرعية؛ أما الأول فلأن الإرث لا محل له بالنسبة لجسد الميت، وأما النيابة فلأنها تنتهي بالموت، ولأنها مقيدة في الشرع بعدم الضرر كما تقدم.


(١) حاشية ابن عابدين: ١/٦٠٢. لذلك أجمع الفقهاء على أنه لا يحل لمضطر أن يقتل غيره لإنقاذ نفسه من هلاك محقق؟ فنصوا على أنه إذا أشرفت سفينة عل الغرق، وكانت سلامتها في إلقاء بعض ركابها، فلا يجوز أن يقرع على طرح أحد الركاب في البحر لإنقاذ البقية. كذلك لا يحل لمن أصابته مخمصة أن يأكل لحم إنسان حي لينقذ نفسه من الموت: البدائع: ٧/١٧٧، المبسوط: ٢٤/٧٦، كشاف القناع: ٤ /١١٨، أحكام القرآن للجصاص: ٣/٣٧٨، أحكام القرآن لابن العربي: ٤/ ١٦١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>