للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما إذا فارقت الروح جسد الجنين بوفاة دماغه، سواء أكان في البطن أم خارجه، فإنه يصبح آدمياً ميتاً. ويكون أخذ عضو منه أو إجراء التجارب عليه تصرفاً بجسد آدمي كان مسكناً للروح، ولا يكون ذلك قتلاً له. وهذا كله إذا كان الجنين قد جاوز في عمره مائة وعشرين يوما أو بلغها.

وأما قبل ذلك، حيث لم تنفخ فيه الروح بعد، فإن التصرف فيه بأخذ جزء منه أو بإجراء التجارب عليه على النحو الذي بيناه لا يعد قتلاً لآدمي، وإن أدى ذلك إلى فقدانه قابلية النمو والاغتذاء والتطور؛ لأن القتل بمعناه الاصطلاحي الفقهي الدقيق هو فعل من الأدمي يؤدي إلى إزهاق روح آدمي آخر، فلا توجد حقيقة القتل إلا إذا كان محله آدمياً فيه روح (١) وهذا لم تنفخ فيه الروح بعد. نعم، قد يطلق على هذا الفعل قتلاً، لأنه أدى إلى إيقاف نوع من الحياة، ولكن لا يراد به عندئذ المعنى الاصطلاحي للقتل، وإنما يراد به إفساد الجنين بوقفه عن التطور والتغذي والتخلق، ومنعه من الوصول إلى كمال هذه المرحلة ببلوغ الحد الصالح لنفخ الروح.

على أنه ينبغي التمييز بين حالتين: إحداهما يكون فيها التصرف في الجنين قبل نفخ الروح فيه بأخذ جزء منه أو بإجراء التجارب عليه إفساداً له. والثانية لا يعتبر ذلك فيها إفسادا له:

فأما الحالة الأولى فتكون عندما يقع ذلك التصرف على جنين لو ترك على حاله الذي هو فيه لنما وتخلق وتطور، ليصل إلى الوضع الذي يصبح فيه صالحاً لنفخ الروح. والصورة الوحيدة المعروفة حالياً لهذه الحالة أن يكون الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح موجوداً في بطن أمه، وفيه حياة النمو والاغتذاء. فإذا أسقط من بطن أمه لغرض أخذ جزء منه أو لغرض التجارب الطبية كان ذلك إفساداً له.

وأما الحالة الثانية فهي أن يكون الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح في وضع لوترك فيه لتوقف عن النمو والتطور وفقد الحياة التي تسبب ذلك فيه، ويكون هذا عندما يكون الجنين خارج بطن الأم، ولا يمكن في الواقع أو في الشرع أن يجعل في وضع يتمكن فيه من النمو والتطور ليتأهل لنفخ الروح. ويقصد بعدم الإمكان في الواقع أن يكون أهل الصنعة عاجزين عن توفير الوضع الذي يجعل ذلك الجنين يواصل مسيرته التطورية، بحيث تستيقن أنه سيفقد الحياة التي تمكنه من النمو والتخلق قبل أن تنفخ فيه الروح، كما لو سقط الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح، وعجز الأطباء عن إعادته وعن توفير الرحم الصناعي البديل. ففي هذه الحالة يعتبر الجنين فاسداً حكما. وإذا كان كذلك فإن ما يقع عليه من أخذ بعض أجزائه، أو إجراء التجارب عليه لا تعد إفساداً له. والفرق في هذه الحالة بينه وبين جنين نفخت فيه الروح أن الحياة المودعة في الجنين قبل نفخ الروح ليست مقصودة لذاتها، وإنما جعلت فيه لتوصله إلى الوضع الذي يصلح فيه لاستقبال الروح، ولتكون خادمة لحياة الروح بعد نفخها، فإذا تيقن من عدم التمكن من الوصول إلى ذلك الوضع، فقدت تلك الحياة حكمتها وفائدتها. وأما حياة الروح فهي مقصودة لذاتها، لا لغيرها، فلا تعتبر فاسدة ما دامت الروح موجودة في الجسد، وإن كان يقطع من الناحية الواقعية بأنها سترحل عن الجسد بعد فترة قصيرة جداً.


(١) المحلى: ٨/٣٣، التشريع الجنائي الإسلامي: ٢/٦ ٠ القصاص - الموضوع (٧) من نماذج الموسوعة الفقهية - الطبعة التمهيدية: ص ٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>