وإنما نقصد من هذا المطلب بيان حقيقة التصرف بالأجنة مما يسبب لها الضرر، فيهلكها كلياً أو جزئياً دون أن يكون الهدف الأصلي منها إنقاذ الجنين أو معالجته، وذلك بأخذ بعض أجزائه لزراعتها في جسد إنسان مريض، أو بإجراء التجارب العلمية عليه مما يقتضي تفتيته أو تغيير أوضاع الخلقة الأصلية التي خلق عليها ونحو ذلك.
ومن وجهة النظر الإسلامية لا شك في أن تحديد حقيقة تلك التصرفات يختلف باختلاف المرحلة التي يكون فيها الجنين: مرحلة ما قبل نفخ الروح ومرحلة ما بعده، كما يختلف باختلاف حال الجنين إن كان حياً أو كان ميتاً.
وأما من وجهة النظر الأخرى التي لا تعترف بالروح، ولا تقر إلا بنوع واحد من الحياة يكون فيه الجنين في جميع أطواره، فإن حقيقة تلك التصرفات لا تختلف إلا من حيث وجود الحياة في جسد الجنين أو عدم وجودها.
حقيقة تلك التصرفات من وجهة النظر الإسلامية:
إذا كان الجنين قد استقبل الروح بانصرام مائة وعشرين يوماً على تكونه، ولم ترحل عنه، فهذا آدمي حي بحياة الروح كما ذكرنا، وأخذ أحد أعضائه أو إخضاعه للتجارب العلمية في المختبرات مما يتسبب في مفارقة روحه لجسده، يكون قتلاً له بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للقتل. فإن نجا من ذلك كان ذلك التصرف إيذاء لجسد آدمي حي على أقل تقدير.
وهذا لا يختلف سواء أكان الجنين في بطن أمه أو سقط منه أو أسقط، ما دام حياً بحياة الروح، ويعرف ذلك بصدور أية حركة إرادية عن الجنين أو بتبين صلاحية دماغه وعدم موته؛ لأن الروح إنما تسيطر على الجسد بواسطة الدماغ، كما أسلفنا، ولا ترحل عنه إلا بتلفه تلفاً كليا. ولا يؤثر على ذلك كون الجنين قد سقط من بطن أمه في زمن لا يعيش فيه مثله، وأن مصيره إلى الموت وحدوث مفارقة روحه لجسده؛ لأن العبرة بوجود الروح في الجسد، وليس بما سيؤول إليه الوضع، وقد يتمكن أهل صنعة الطب من توفير الظرف المناسب للجنين الذي يسقط في وقت مبكر بعد نفخ الروح، فيظل على قيد الحياة (١)
(١) بحث "إجراء التجارب على الأجنة " للدكتور محمد علي البار: ص ٠٧ الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي: ص ٢٠٧.