تقدم أن البحث عن حكم تصرف ما لا يستقيم إلا بالبدء من معرفة حقيقة ذلك التصرف، وأن هذا التصرف إن كان عملاً يقوم به الإنسان في شيء ما، ويترك آثاراً بليغة في هذا الشيء، فإن تصوره يتوقف على معرفة ذلك الشيء الذي يقع عليه.
وقد أفضنا - في المبحث الأول - في بيان حقيقة الجنين، وخرجنا بنتيجة محددة في ذلك، وفيما يأتي سنتخذ تلك النتيجة أساساً في البحث عن حقيقة التصرف في الجنين بأخذ بعض أعضائه لزراعتها أو بجعله محلاً للتجارب العلمية. ومن ثم ننتقل إلى بيان حكم هذا التصرف من وجهة النظر الشرعية، وقيود ذلك ونختم المبحث - إن شاء الله تعالى - ببيان ما ينبغي أن يكون عليه حكم هذا التصرف عند من ينكرون الروح.
المطلب الأول
حقيقة الانتفاع بالأجنة في زراعة الأعضاءوالتجارب العلمية
ليس من غرضنا في هذا المطلب بيان حقيقة التصرفات التي تقع على الجنين، ولا تتسبب إلى أي نوع من الإضرار بجسده، أو تلك التي يقصد بها معالجة الجنين، سواء أكانت نتائجها إيجابية أم سلبية؛ فإن حقيقة هذه التصرفات أنها أعمال نافعة أو يقصد بها تحقيق مصالح معتبرة للبشرية عامة أو للجنين محل التصرف خاصة، وهي إما أن تكون سالمة تماماً من أي ضرر يقع على الجنين، كتلك الأبحاث التي تجرى على الجنين وتعتمد على ملاحظته داخل بطن أمه أو خارجه دون التسبب له بأية مضاعفات، وإما أن يكون الضرر الناشىء عنها غير مقصود وإنما جاء نتيجة لمحاولات طبية يراد بها إنقاذ الجنين من الهلاك أو من خلل جسدي (١) فمثل ذلك لا شبهة في تحديد حقيقته، ولا شك في جوازه شرعاً وعقلاً، وقد يقع على الإنسان المولود، كبيراً كان أو صغيراً.
(١) انظر بحث "إجراء التجارب على الأجنة" للدكتور محمد علي البار المقدم إلى الندوة الفقهية الطبية الخامسة: ص ٢١.