وهكذا فإن إنكار الروح وإنكار انضمامها إلى جسد الجنين في لحظة من لحظات عمر الجنين يلزم القائلين به والممالئين لهم ممن اعترفوا بالروح وأنكروا آثارها، وآثروا إهمالها عند البحث في حقيقة الجنين، يلزمهم بأن يعتبروا الجنين إنساناً من أول لحظة يتكون فيها باتحاد المني مع البييضة.
ومع أن هذا هو مقتضى تلك النظرة لكننا نجد كثيراً من أصحابها يرون أن موت الإنسان يقع بموت دماغه بعد نشوئه وقيامه بوظائفه (١) والذي يتفق مع نظرتهم تلك إلى حقيقة الجنين بصورة خاصة والإنسان بصورة عامة أن يكون موت الإنسان بذهاب تلك الحياة التي صاحبته منذ تكونه لا بمجرد موت دماغه؟ وإلا فإن الجنين قبل تكون دماغه وقيامه بوظائفه يعتبر بناء على نظرتهم تلك إنساناً حياً، فالقول بحياته يتعارض مع قولهم بأن الموت هو موت الدماغ، وتحديد الموت بموت الدماغ يتناقض مع القول بحياة الجنين قبل نشوء دماغه، ولا يخلصهم من هذا التناقض إلا القول بوجود نوعين من الموت: أحدها موت الجنين قبل نشوء دماغه ويكون بذهاب الحياة الموجودة في خلاياه وتوقفها عن النمو والتشكل والاغتذاء، والثاني موت الإنسان الذي تكون له دماغ ومارس هذا الدماغ وظائفه، ويكون بموت هذا الدماغ موتاً نهائياً، على أن هذا المخرج يلزم القائلين به الاعتراف بوجود نوعين من الحياة يتعاقبان على الجنين: النوع الأول قبل نشوء دماغه، والثاني بعد نشوئه؛ لأن الموت نقيض الحياة ووجود نوعين من الموت يقتضي وجود نوعين من الحياة، حتى يصدق على كل واحد منهما أنه نقيض الموت الذي يقابله، وهذه النتيجة تقترب إلى حد ما - وإن لم تطابق - مع نظرة علماء الإسلام في تحديد حقيقة الجنين قبل نفخ الروح وبعده. والفرق بينهما اعتبار نفخ الروح مصدراً للحياة الثانية في النظرة الإسلامية ونشوء الدماغ مصدراً لها في النظرة الأخرى. وقد تقدم ما يبعد معه كون الدماغ سبباً لإحداث نوع جديد من الحياة، وذلك عند الكلام عن تطور الجنين وأثره في تحديد حقيقته.
(١) انظر كتاب: موت القلب أو موت الدماغ: ص ١٠٢ وما بعدها.