والجنين في بطن أمه، سواء قبل نفخ الروح أو بعدها لا يتصف بشيء مما ذكرنا من خصائص الأعضاء، فهو لا يخدم روح الأم، ولا يأتمر بأوامرها (١) ولا يتوقف عليه صلاح أي عضو من أعضاء جسدها، وتنحصر علاقته بجسدها في الأخذ دون العطاء، وهو أشبه ما يكون بالرضيع الذي يأخذ لبن أمه بعد ولادته، ولكنه لما كان قبل الولادة غير قادر على الأخذ بطريقة الوليد رتب له ربه تبارك وتعالى طريقة أخرى تناسب طبيعته. وهو بعد ذلك صائر إلى الانفصال عن جسد الأم بصورة ذاتية. بل إن ذلك الجسد لا يقبله أكثر من المدة المعهودة للحمل، وروح الأم المسيطر على ذلك الجسد لا يطيق وجوده أكثر من تلك المدة. وكل ذلك يدل على أنه كيان مستقل عن أمه وعارض عليها، وليس جزءاً منها.
فنخلص مما تقدم إلى أن الجنين قبل نفخ الروح في التصور الإسلامي، ليس ادمياً ولا جزءاً من آدمي، وإنما هو مخلوق في طور الإعداد لاستقبال الروح التي تصيره آدمياً.
وأما الجنين عند الذين لا يؤمنون بالروح من العلماء الماديين، ومن تأثر بهم فأقر بوجودها وجردها من آثارها، فإن مقتضى عقيدتهم هذه أن حقيقته واحدة من أول لحظة يتكون فيها باتحاد مني الرجل ببييضة المرأة، وأن آدميته تولد معه في هذه اللحظة، ولا يطرأ عليها ما يغيرها في مختلف مراحله الخلقية حتى يتوفى بهلاك جسده؛ وذلك أن حقائق الأشياء لا تتغير بصغرها وكبرها، ولا بثقلها وخفتها، وإنما تتمايز باختلاف جوهرها. والحياة عندهم تنشأ مع الجنين من تلك اللحظة، وتبقى معه متصفاً بها حتى يفقدها بسبب من الأسباب ويفنى ذلك الجسد.
ونعتقد أن أي تغير في جسد الجنين المادي المحسوس من تعلق بجدار الرحم ونمو وكبر حجم وزيادة وزن وظهور طلائع الجهاز العصبي والأجهزة الأخرى وغير ذلك من التغيرات الجسمانية لا يصلح أبداً مستنداً للقول بتغير حقيقة الجنين؟ لأن جميع هذه التغيرات إنما هي ثمرات لنوع الحياة الذي وجد مع الخلية الأولى من خلايا جسد الجنين المتكون؛ فعند تكون الجنين بخليته الأولى ينشأ فيه ذلك النوع من الحياة، ويكون سبباً في كل ما يطرأ عليه من تحولات وإضافات وتشكلات وغير ذلك، فإن حقيقة الحياة التي وجدت في الخلية الأولى ومكنتها من رحلتها التطورية لا تختلف عنها في أي طور، بل هي عينها الحياة التي تكون فيه مهما كان عمره ووزنه وطوله وشكله، بل هي عين الحياة التي تكون معه بعد ولادته، والتي يكون من آثارها نموه في الطول والعرض وترميم أعضاء الجسم التالفة، ومقاومة الجراثيم الدخيلة، ولأم الجروح، ونمو الشعر والظفر، وهي عين الحياة التي تبقى فترة قصيرة من الزمن في الأعضاء بعد الموت الدماغي للإنسان.
(١) وإذا كانت الروح تسيطر على الجسد المختصة به بواسطة الدماغ، وعن طريقه تحرك بقية الأعضاء، فإنا نظن - بالرغم من قلة بضاعتنا في علم وظائف الأعضاء - أن الدماغ لا صلة بينه وبين أعضاء الجنين، ولا سلطان له على أي عضو منها. وليس هذا رجماً بالغيب، وإنما هو استنتاج من الظواهر التي أشرنا إلى طائفة منها في المتن.