للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الأحكام التي تتعلق بالجنين وان لم ينفخ فيه الروح انتهاء العدة بسقوطه، فإن ذلك غير مرتبط بنفخ الروح؟ حيث ربط الشارع انتهاء عدة الحامل بوضع حملها، وحكمة العدة – وهي استبراء الرحم – تحصل بالوضع مهما كان الجنين. ومنها أيضاً حجز نصيب من الميراث لحساب الجنين إذا تبين الحمل بغض النظر عن نفخ الروح فيه؟ لأن الغالب تطور الجنين ليصل إلى مرحلة نفخ الروح فيه وصيرورته إنساناً وولادته حياً، فلابد من النظر له، ولكن ما يحجز له لا يكون حقاً له قبل صيرورته إنساناً وولادته حياً، حتى لو سقط قبل ذلك لم يورث عنه ما حجز له.

فهذه الأحكام لا تدل على أن العلماء المسلمين قد خالفوا ما نصوا عليه بصراحة من أن الجنين قبل نفخ الروح لا يكون آدمياً؛ لأنها، كما يرى، غير متربطة بنفخ الروح ولا بإنسانية الجنين، وإنما ارتباطها بمعان أخرى.

ويرد هنا تساؤل يستحسن الإجابة عنه، وهو أن الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح إذا لم يكن آدمياً فهل يمكن اعتباره جزءاً من آدمي هو أمه؟

وفي الجواب لابد من الإشارة إلى أن بعض الفقهاء المسلمين قد ورد في كتبهم ما يدل على أن الجنين يعامل معاملة العضو من الأم في بعض الأحكام (١)

غير أن أغلب الظن عندي أن الجنين مخلوق مستقل عن أمه، سواء أنفخت فيه الروح أم لم تنفخ، وان كان له نوع اتصال بها، وأن بعض الفقهاء إنما اعتبره كالعضو من الأم من الناحية الحكمية لغرض ترتيب بعض الأحكام المتعلقة بالتعويض الواجب على إسقاطه (٢)

وتوجيه ظننا في هذا الموضوع أن جسد الآدمي مركب الروح وآلتها بحسب التصور الإسلامي الذي بيناه فيما سبق. وهذا المركب مكون من أجزاء كلها تقع في موقع الخدمة للروح بأساليب وصور شتى. ومن خصائص تلك الأجزاء مصاحبة الروح من وقت نفخها إلى وقت رحيلها، وعدم مفارقتها لها بصورة آلية؛ لما جعل الله تعالى بين الروح والجسد من عشق جبلي لا ينقطع بدون سبب قوي؛ فالعين والأذن والقلب والدماغ والأطراف وكل عضو من أعضاء الجسد لا يفارق الروح المختصة به بصورة ذاتية إلا أن يوجد عارض قوي ينسب بتلك المفارقة، فالروح لا تلفظ اليد والرجل والعين والأعضاء التي خصها الله بها، ولا هذه الأعضاء تنسلخ عن الروح وإنما يمكن أن تنتزع منها انتزاعاً بسبب من الأسباب.


(١) انظر المحلى: ٨/ ٣٠، وتكملة فتح القدير المسماة "نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار" لقاضي زادة: ١٠/ ٣٠.
(٢) انظر المحلى: ٨/ ٣٠، وتكملة فتح القدير المسماة "نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار" لقاضي زادة: ١٠/ ٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>