للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصح بالقرآن والسنة أن دية القتيل في الخطأ والعمد مسلمة لأهل القتيل، والقتيل لا يكون إلا في حي نقله القتل عن الحياة إلى الموت بلا خلاف من أهل اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطب الرسول. والجنين بعد مائة وعشرين ليلة حي بنص خبر الصادق المصدوق، وإذ هو حي فهو قتيل قد قتل بلا شيء ... وأما إذا لم يوقن أنه تجاوز مائة وعشرين ليلة فنحن على يقين من أنه لم يحي قط ولا كان له روح بعد ولا قتل، وإنما هو ماء أو علقة من دم أو مضغة من عضل أو عظام ولحم، فهو في كل ذلك بعض أمه؛ فإذا ليس حياً بلا شك، فلم يقتل؛ لأنه لا يقتل موات ولا ميت، وإذ لم يقتل فليس قتيلاً، فليس لديته حكم دية القتيل (١)

هذه النصوص التي ذكرناها لبعض علماء الإسلام، وتلك النصوص التي ذكرناها في المطلب السابق لعلماء آخرين، والتي تدل على ارتباط الحياة الإنسانية بنفخ الروح، والتي استند فيها أولئك العلماء إلى ما ورد في الكتاب والسنة من نصوص حول الروح وآثارها، كل ذلك يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن الجنين قبل نفخ الروح لا يوصف بأنه إنسان حي ولا ميت، سواء أكانت فيه حياة الاغتذاء والنمو أم زالت عنه.

ومن الجدير بالذكر أنني لم أجد في مصنفات العلماء المسلمين القدامى من صرح بخلاف ما ذكرنا من نفي الحياة الإنسانية عن الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح، سواء في ذلك علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء الفقه وغيرهم. بل إن أسلوب من تعرض لهذا الموضوع وبحث فيه يوحي بأن هذه القضية مسلم بها، وليس حولها شك. ولا يتعارض مع هذا أن كثيراً من علماء الإسلام قد رتبوا بعض الأحكام العملية على وجود الجنين مهما كان عمره في بطن أمه؟ فإنها عند التدقيق فيها يتبين أن مبنى تلك الأحكام لا يقوم على نفخ الروح ووجود الحياة الإنسانية في الجنين، وإنما مبناه على أمور أخرى: من ذلك تحريم إجهاضه ووضع حد لنموه وتطوره؟ لأن هذا العمل إتلاف لمخلوق لو ترك لنما وتشكل وصار أهلاً لنفخ الروح فيه، واكتساب الهوية الآدمية، ولا شك في أن إتلاف ما هذا شأنه لا يجوز، فإن إتلاف الأشياء النافعة أو التي يتوقع نفعها لذويها حرام إلا لمصلحة راجحة. ولهذا السبب أيضاً حرم الشرع إقامة الحد المهلك أو الذي يغلب على الظن أن يتضرر منه الجنين.


(١) المحلى: ٨/ ٣٠، ٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>