٧ - كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} ، وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم قال: فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة؟ وفي رواية عنه قال: وهل تموت نفس حتى تمر على هذا الخلق؟ وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلي عمر وعلي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذاكروا العزل، فقال: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى، فقال علي رضي الله عنه: لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً ثم تكون لحما، ثم تكون خلقاً آخر، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت أطال الله بقاءك (١) فهذا مفهوم الوأد "وهو نوع من القتل" عند الصحابة رضوان الله عليهم لا يتحقق إلا إذا أنشىء الجنين خلقاً آخر بعد تعاقب الأطوار الأخرى عليه، كما ذكرت الآية الكريمة. وقد تقدم أن الصحابة ومنهم ابن عباس وعلي كانوا يفسرون قوله تعالى:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ} بأنه نفخ الروح.
٨ - وقال الشوكاني في معنى قوله تعالى:{ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} : ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة، وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة، أي غير حي بإكمال خلقته بالروح (٢)
٩ - - وقال البيجوري: وأما السقط، وهو الذي لم تتم له ستة أشهر، فإن ألقي بعد نفخ الروح فيه أعيد بروحه ويصير عند دخول الجنة كأهلها في الجمال والطول، وإن ألقي قبل نفخ الروح فيه كان كسائر الأجسام التي لا روح فيها كالحجر، فيحشر ثم يصير ترابا (٣)
١٠ - ويقول ابن حزم الظاهري في معرض الرد على من يجعل غرة الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح للورثة: أما قولهم: إن الغرة دية فهي كحكم الدية، وقد صح أن الدية موروثة على فرائض المواريث فالغرة كذلك، فإن هذا قياس باطل؟ لأن الجنين الذي لم ينفخ فيه الروح لم يقتل قط، فقياس دية من لم يقتل على دية من قتل باطل لو كان القياس حقاً؛ لأنه قياس الشيء على ضده، فبطل. وأما نحن فإن القول عندنا هو: ان الجنين إن تيقناً أنه قد تجاوز الحمل به مائة وعشرين ليلة فإن الغرة موروثة لورثته، وإن لم يوقن أنه تجاوزها فالغرة لأمه فقط؛ برهاننا على ذلك أن الله تعالى قال:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقاد وإما أن يودى)) .
(١) جامع العلوم والحكم: ص ٤٦. (٢) فتح القدير: ٣/٤٣٦. (٣) تحفة المريد على جوهرة التوحيد: ص١٠١.