فإذا أقّر له بدراهم أو حلف ليعطينه أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة.
وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالها لفظ الحرية في العفّة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه (إنه حرّ) أو عن جاريتها (إنها حرّة) ، وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا وإن كان اللفظ صريحًا عند من ألف استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت:(اسمح لي) فقال: (سمحت لك) فهذا صريح في الطلاق عندهم. وقد تقدَّم في هذا الأصل مشبعًا وأنه لا يسوغ أن يقبل تفسير من قال لفلان عليَّ (مال جليل) أو (عظيم) بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المقرّ من الإغنياء المكثرين أو الملوك، وكذلك لو أوصى له بقوس في محلّة لا يعرفون أقواس البندق أو الأقواس العربية أو الأقواس الرِّجل، أو حلف لا يشمّ الريحان في محل لا يعرفون إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بالدابة الحمار أو الفرس، أو حل لا يأكل تمرًا في بلد عرفهم في التّمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجلباب ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو في عرف غيره.
بل لو قالت امرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها قل لي:(أنت طالق ثلاثًا) وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها، لم تطلق قطعًا في حكم الله تعالى ورسوله.
وكذلك لو قال الرجل الآخر:(أنا عبدك ومملوكك) على جهة الخضوع له كما يقول الناس لم يستبح ملك رقبته في ذلك ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ.
وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرم ما لم يحرّمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان.