للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله.

قال ابن القيم – رحمه الله – في [أعلام الموقعين: ١/٣٤٤، ٣٤٥] في معرض مناقشة خصومه -:

الخطأ الرابع لهم اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة. فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملاتهم الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذه الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأنَّ الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه وهذا هو القول الصحيح، فإنَّ الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنَّه لا حرام إلا ما حرَّمه الله ورسوله ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرَّمه الله، ولا دين إلا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نهى الله سبحانه المشركين عن مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه – وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها لأنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة في ما عدا ما حرمه الله. ثم ساق أدلة من الكتاب والسنَّة تؤكد هذه القاعدة التي أقرها ولا نريد أن نطيل بإيرادها.

قال ابن القيم في [أعلام الموقعين: ٤/٢٢٨، ٢٢٩] بين ما ساقه من فوائد وإرشادات تتعلق بالإفتاء:

الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له – أي المفتي – أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلَّ.

فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثنى عشر درهمًا، والدّرهم عند غالب البلاد اليوم – يعني في عصر ابن القيم – اسم للمغشوش.

قلت: وهو عندنا اليوم في بعض البلاد اسم لعملة ورقية لا علاقة لها من حيث القيمة بالدّرهم الشرعي الذي تنبنى عليه أحكام الزكاة وما شاكلها من الشرائع التعبدية.

<<  <  ج: ص:  >  >>