للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام الجزئية – من حلّ هذا المال لزيد وحرمته على عمرو – لم يشرعها الشارع شرعًا جزئيًّا وإنما شرعها شرعًا كليًّا.

ثم قال:

وهذا الحكم الكلي الثابت سواء وجد هذا البيع معين أو لم يوجد فإذا وجد بيع معين أثبت ملكًا معينًا فهذا المعين سببه فعل العبد فإذا رفعه العبد، فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع الفعل العبد سببه لا أن الشارع أثبته ابتداء.

ثم قال [ص٣٤٠] :

وأصل العقود أنّ العبد لا يلزمه شيء إلا بإلزامه أو بإلزام الشارع له فما التزمه فهو ما عاهد عليه فلا ينقص العهد ولا يغدر.

وقال ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في [أعلام الموقعين: ١/٨٧، ٨٨] أثناء شرحه لرسالة عمر إلى أبي موسى المشهورة:

ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل- بمعرفة الواقع والفقه فيه – إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف- بشق القميص من دُبُر- إلى معرفة براءته وصدقه وكما توصل سليمان - صلى الله عليه - بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم، وكما توصل أمير المؤمنين على عليه السلام – بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لنجردنك – إلى استخراج الكتاب منها، وكما توصل الزبير بين العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دلهم على كَنْز حُيَيّ لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: المال كثير والعهد أقرب من ذلك. وكما توصل النعمان بن بشير – بضرب المتهمين بالشرقة – إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>