للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [الآية ٥٩ من سورة يونس] .

ثم قال:

وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس – فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهًا وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي.

ثم قال [ص ١٥٠، ١٥٤] :

... إن العقود والشروط من باب الأفعال العادية والأصل فيها عدم التحريم فيستحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما في الأعيان الأصل فيها عدم التحريم، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الآية ١١٩ من سورة الأنعام] ، عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة، لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة.

وأيضًا ليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حلّه بعينه.

ثم قال:

وإن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوًا كالأعيان التي لم تحرم.

وغالب ما يستدل به على أنَّ الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه يستدل أيضًا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمي ذلك حلالا أو عفوًا على الاختلاف المعروف.

ثم قال:

... إنَّ الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا ولم يبثته ابتداء كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم يحرم علينا رفعه.

<<  <  ج: ص:  >  >>