للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكل ما عده الناس بيعًا فهو بيع وكذلك في الهبة مثل الهدية ومثل تجهيز الزوجة بما يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية بأنه عطية لا عارية.

ثم قال [ص١٥، ١٨] :

ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعملون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بها بدلالة القرآن، وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا فإنَّ جحد الضروريات قد يقع كثيرًا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها ولهذا قلنا: إن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا تواطؤ على الكذب، لأنَّ الفطر السليمة لا تتفق على الكذب فأما مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب.

ثم قال:

وما لم يكن له حدّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)) (١) ، ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًّا لا في كتاب الله ولا سنَّة رسوله، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتباعين أنَّه عيَّن للعقود صفة معيَّنة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنَّها لا تنعقد إلا بالصِّيغ الخاصة.

ثم قال:

فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا وما سموه هبة فهو هبة.

ثم قال:

... إنَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة علم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات العادات فهي ما أعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى وذلك لأنَّ الأمر والنهي هما شرع الله.


(١) الحديث أخرجه النسائي في [سننه (المجتبي) : ٧/٢٨٥] فقال: أخبرنا محمد بن سلمة قال: أنبأنا ابن القاسم، عن مالك، عن ابن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. ثم قال [ص ٢٨٦] : أخبرنا سليمان بن منصور قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن حزام بن حكيم، قال: قال حكيم بن حزام: ابتعت طعامًا من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: لا تبعه حتى تقبضه.

<<  <  ج: ص:  >  >>