لكن الأصل عندهم هو اللفظ لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[الآية ٢٩ من سورة النساء] ، وقوله:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}[الآية ٤ من سورة النساء] . والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها تحتمل وجوهًا كثيرة، ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات.
والقول الثاني: أنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف فيمن بنى مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه أو سبل أرضًا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها للناس، وكأنواع بعض الإجارة كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو راكب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك، فإن هذه العقود لو لم تعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ولأنَّ الناس من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدَّالِّ على العقود، وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة، فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به العرف (١) .
القول الثالث: أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عدَّه الناس بيعًا وإجارة فهو بيع وإجارة وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة بل يتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم.
ثم قال:
ولا يجب على الناس التزام نزع معين من الاصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم، وإن كان قد يستحب بعض الصفات وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد، ولهذا يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقًا وإن كان قد وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر بأن يقول: خذ هذا لله فيأخذه أو يقول: اعطني خبزًا بالدرهم فيعطيه، أو لم يوجد لفظ من أحدهما بان يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلواء أو غير ذلك كما يتعامل غالب الناس، أو يضعوا المتاع ليوضع له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما يجلبه التجار على عادة بعض أهل المشرق.
(١) ومفهومه إذ جرى به العرف فأصبح قاعدة بين الناس يتعاملون بمتقضاها جرى حكمه على حكم ما ليس بجليل في مذهب أبي حنيفة وعند القائلين به في مذهب احمد إذ أن الأصل عند هؤلاء هو العرف. فتأمل.