للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال:

ومن رحمة الشريعة أنها أثبتت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على فساد، ففي الموطأ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيّما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام)) (١) ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((وهل ترك لنا عقيل من دار؟)) (٢) يريد أن عقيل بن أبي طالب فرقها في حكم الجاهلية فلم ينقضه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة.

ثم قال [ص١٠٥، ١٠٦] :

... إن مقاصد الشريعة من أحكامها كلها إثبات أجناس تلك الأحكام (٣) لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرفات خاصها وعامها باعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحًا ونفعًا أو فسادًا وضرًّا قويين أو ضعيفين فإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة للمعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه مثل قول بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر أنه يحرم أكله لأنه خنزير، ومن يقول بتحريم، نكاح امرأة زَوَّجها إياه وليها بمهر وزوَّج هو ذلك الوليَّ امرأةً هو وليُّها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ لاعتقاد أن هذا من الشغار، لأن شكله الظاهر كشكل الشغار مغمض العينين عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار وإنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيامً التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع كما سيجيء في مبحث نوط التشريع بالضبط والتحديد. ولقد أخطأ من هنا بعض الفقهاء أخطاء كثيرة مثل ما أفتى بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمونه سحارًا مغمضين أعينهم عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشرع به حكم القتل، فمن حق الفقيه إذا تكلم على السحر أو سئل عنه أن يبين أو يستبين صفته وحقيقته وأن لا يفتى بمجرد ذكر اسم السحر فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته إن ذلك عظيم.


(١) أخرجه مالك في [الموطأ: ٦٣٩، ح ٤٠] عن ثور بن زيد الديلي بلاغًا فقال: عن ثور بن زيد الديلي أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام. وقال ابن عبد البر في [التمهيد: ٢/٤٨] : هكذا هذا الحديث في الموطأ لم يتجاوز به ثور بن زيد أنه بلغه عند جماعة رواة الموطأ والله أعلم ورواه إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس تفرد به عن مالك بهذا الإسناد وهو ثقة. وقد روي هذا الحديث مسندًا من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، ورواه ابن عيينة عن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، ثم ساق الحديثين لكن بلفظ مختلف وإن اتحدا مع حديث ثور في المعنى. وأخرجه البيهقي في [السنن الكبرى: ٩/١٢٢] من طريق الشافعي عن مالك: ونقل عن الشافعي قوله: ونحن نروي فيه حديثًا أثبت من هذا بلغني بمثل معناه. وساق البيهقي بإسنادين حديث عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس الذي ألمعنا إليه آنفًا.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من عدة طرق وبألفاظ فيها اختلاف. انظر [المزي، تحفة الأشراف: ١/٥٧، ٥٨ ح ١١٤] . وأخرجه غيرهم من أصحاب مدونات السنة معاجمها لا سيما من عنوا بالمغازي والأموال، وننقل من ألفاظه وطرقه عندهم ما أخرجه أبو عبيد في [الأموال: ص٢٠٨، ح ٥٢٧] فقال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني علي بن حسين أن عمرو بن عثمان أخبره عن أسامة بن زيد أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة – يعني في حجة الوداع -: أتنزل في دارك؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ قال: وكان عقيل ورث أبا طالب ولم يرثه جعفر ولا علي لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين.
(٣) أطلق – رحمه الله- كلمة (أجناس) في هذا المجال على ما يشبه أن يكون بمعنى الكليات، يريد أن الشارع شرع أنواعًا من الأحكام تنطبق على ماهيات الأحداث والأشياء والعبادات وليس على أشكالها أو أسمائها وهذا ملحظ في غاية الدقة والعمق والجلال. فتأمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>