لكن قبل أن نختم هذا الفصل نود أن ننقل أروع وأجلى ما وقفنا عليه من كلام السلف الموقفين في ما نحن بصدده من بيان طرائق الاستدلال بالصيغ في تكييف الحكم الشرعي، ذلك هو قول ابن القيم – رحمه الله – في [أعلام الموقعين: ١/٢١٩، ٢٢٠] :
... والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول ماذا أراد، واللفظي يقول ماذا قال، كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون بقوله:{مَاذَا قَالَ آَنِفًا}[سورة محمد: الآية ١٦] . وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله:{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}[سورة النساء: الآية ٧٨] . فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه.
وقد كان الصحابة يستدلون على إذْن الرب تعالى وإباحته وإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ بل بما عرف من موجب أسمائه وصفاته، وأنه لا يقر على باطل حتى يبينه، وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة – بما عرفته من حكمة الرب تعالى وكمالًا لأسمائه وصفاته ورحمته – أنه لا يخزى محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإنه يصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، وإِنَّ من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ولا يسلط عليه الشيطان، وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه فهذا معرفة منها بمراد الرب تعالى وما يفعله، من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين. وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعدل عنه إلى غيره البتة.