ثم إنّ تاء المضارعة والإيحاء بالإضمار معلوم أنها إذا دخلت على الفعل المضاعف تعني في كثير من الأحيان الاجتهاد والتكلف، كما تدل على المطاوعة لفظًا. أما تاء المطاوعة – وهي التي تأتي بين الفاء والعين في الفعل ومشتقاته (افتعل) – كما في صيغة (افترق) فهي تعني من حيث المعنى التكلف والمعاناة بصورة أساسية، وقلَّ أن تخلو من هذا المعنى وليس هذا المجال تفصيل ذلك.
غاية ما نقصد إليه بهذا الإلماع إلى ما تؤمئ إليه التاءان، هو أن نوضح أن الانفصال المادي إذا عبّر عنه بـ (التفرق) و (الافتراق) لا بد من قرينة تصرف العبارة إليه، وأن الصيغتين لا تعنيانه أساسًا كما لا تعنيان غيره من معانيهما وإنما تتصرفان إلى معنى منها بقرينة. وورود إحداهما في القرآن أو في الحديث يتحكم السياق والموضوع في تحديد المعنى المقصود إليه بها، وبذلك يتضح أن جدل الفقهاء والمتفقهة حول ما سموه (خيار المجلس) جدل قائم على وهم قد لا نعجب من صدوره من المتفقهة، إنما نعجب أشد العجب وأبلغه من صدوره من مثل الشافعي – رحمه الله – وهو اللغوي والمحدث والفقيه الذي لا يزن بريبة، ثم من إلحاحه في تقرير ما ذهب إليه إلحاحًا قل أن عهدناه في تقرير أصوله، ويظهر أن موضوع (خيار المجلس) كان لعهده موضوعًا متصلا بإثبات الوجود الفقهي لأرباب المذاهب أو المدارس الفقهية والأصولية، ولعله كان من أهم أسباب الخلاف وأعمقها نفسيًّا وبين أستاذه مالك – رحمه الله – على أن مالكًا كان أسلم منطقًا وأدرك للبيان منه حين اعتبر المبايعة والتبايع وما شاكلهما تعني المراكنة أو ركون أحد الطرفين، وأنَّ (التفرق) أو (الافتراق) يراد به أن يكون بالأقوال لا بالأبدان.
ورحم الله ابن تيمية – وهو حنبلي مجتهد – إذ يقول في [مجموع فتاويه: ٢٩/٢٦، ٢٧] :
.... فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع كما كان يقال: عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم أفقههم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك كله. ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب ... إلخ) .
والذي يعنينا من صيغتي (التفرق) و (الافتراق) في حديث الخيار، هو بيان أن المراد بهما وقوع الانفصال بالأقوال لا بالأبدان، وهذا أمر أساسي فيما نحن بصدده من محاولة استجلاء المطابقة بين الأحكام الشرعية وبين ما نعايشه اليوم من التعامل بالوسائل الحديثة للتواصل تعاملا كثيرًا ما يدخل في نطاق التعاقد، وتأكيد القاعدة التي نعتمدها أصلا في بحثنا هذا وفي غيره من أن الدلالة الظرفية في الصيغ أساسية في تكييف الحكم المستنبط منها، وهذا ما سيزداد جلاء في الفصول الآتية بحول الله.