ثم أنه على فرض أن صيغة:(افترقا) هي المروية باللفظ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملها في حديث يبعد احتمال أن تكون الصيغة فيه رويت بالمعنى وهي قوله صلى الله عليه وسلم:((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ... )) الحديث. وهو مشهور وليس من شأننا في هذا المجال تخريجه، وما من أحد يدعى أن صيغة الافتراق الواردة ثلاث مرات في هذا الحديث بصيغة الماضي مرتين والمضارع مرة تعني – أو يمكن أن تتضمن – الانفصال المادي، غاية أمرها أنها تعني نفس المعنى المعبر عنه بالتفرق – بدلًا من الافتراق – في الآيات القرآنية الكريمة الواردة في النهي عن التفرق في الدين، وإنما جاء التعبير في الحديث النبوي الشريف بـ (الافتراق) بدلًا من (التفرق) لملحظ بديع هو أن التفرق الوارد النهي عنه في القرآن الكريم أو التنديد به إما أنه قد حدث كما في سورة البينة: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، وجاء التعبير بـ (تفرق) بدلا من (افترق) لإيضاح أن الفرقة جاءت عن عمد وتكلف وسبق إصرار، وذلك أبلغ في التنديد بها وبمقترفيها.
وإما للنهي عنه وبيان أن اقترافه لا يمكن أن يكون عفوًا ودون قصد، بل لا يتأتى إلا عن عمد وتكلّف وسبق إصرار، فهو لذلك يوجب على مقترفه ما يستحقه من عقاب.
أما كلمة (افترق) في الحديث الشريف فهي إخبار بما حدث ونبوءة بما سيحدث ولئن تضمنت معنى التنديد فإن هذا المعنى لم تتضمنه الصيغة لذاتها وإنما تضمنه كل من الأخبار والنبوءة في مجموعة وليس بصيغة معينة.